
كاظم محمد الكعبي
لا يخفى أن القيم الأخلاقية هي التي توجه السلوك الإنساني، وكلما امتلك القائد سماتٍ وشخصيةً ذات بُعد قيمي، تأثّر أتباعه ومن هم تحت قيادته بشخصه تأثرًا إيجابيًا، فتترسّخ فيهم المبادئ، وتتعزز روح الولاء والانتماء، الأمر الذي يُسهم في تحقيق الأهداف بسرعة أعلى وجودة أرقى.
هذا المفهوم الإداري، الذي تبلور حديثًا في علم القيادة، تجلّى بوضوح في واقعة الطف، حين أدار الإمام الحسين (عليه السلام) المواجهة ضد الجيش الأموي، الذي بلغ ــ بحسب بعض الروايات ــ ثلاثين ألف مقاتل، كما يُروى عن الإمام السجاد (عليه السلام) في روايتي الصدوق وابن طاووس.
وأولى خصال هذا القائد القيمي كانت قدرته على استقطاب الأفراد ذوي الهمم العالية والكفاءات الروحية والأخلاقية المناسبة. لقد اختار الإمام الحسين (عليه السلام) أنصاره بدقة متناهية؛ فعندما كان يمرّ على القبائل، كان ينتقي شخصياتٍ يُعوّل عليها في الثبات والممانعة، من حيث العقيدة الصلبة والإيمان الخالص. ولذلك قال (ع): “ما رأيت أصحابًا خيرًا من أصحابي”. بل حتى في ليلة العاشر من المحرم، خيّرهم بترك المعركة قائلاً: “هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرّقوا في سواد هذا الليل…”، مُشيرًا إلى أن القوم لا يطلبون غيره.
لكن الردود كانت كما توقّع، بل فاقت التوقّع في روعتها وخلودها، فهذا أبو الفضل العباس يصدح قائلًا: “لا أرانا الله ذلك أبدًا”، وقال زهير بن القين: “والله لوددت أني قتلت ثم نُشرت، ثم قتلت، ثم نُشرت، يُفعل ذلك بي ألف مرة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن هؤلاء الفتية من أهل بيتك”. وقال نافع بن هلال: “والله لو علمت أني أُقتل ثم أُحيا، ثم أُحرق حيًّا ثم أُذرّى، يُفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك”. وهكذا كان حال بقيّة الأصحاب، بإصرار العاشق لقيم الشهادة في سبيل الحق.
إنّ القائد القيمي يتعامل مع الإنسان أولًا، لا مع الأرقام أو المواقع أو المصالح. والإمام الحسين (عليه السلام) لم ينطلق في دعوته من كونه إمامًا مفترض الطاعة فحسب، بل تعامل مع الناس بروح الرفعة التي عهدناها في أهل البيت (عليهم السلام)، وأعطاهم حرية القرار، ليقدموا على الحياة الأبدية والفتح العظيم بإرادتهم الخالصة وطيب نفوسهم.
ومن أهم متطلبات القيادة بالقيم، أن يفهم القائد أهدافه فهمًا دقيقًا، ويعرف إلى أين يمضي ببصيرة نافذة. وقد تجلّى هذا المعنى أيضًا في الإمام الحسين (عليه السلام)؛ فعندما عزم على المسير إلى العراق، قام خطيبًا فقال:
“خُيِّر لي مصرعٌ أنا لاقيه، كأني بأوصالي تُقطّعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء”.
فقد كان إقدامه عن وعيٍ وبصيرةٍ ومعرفة، ليشعل جذوة الثورة ضد الطغاة على مدى الزمان، أولئك الذين اتّخذوا مال الله دولًا وعباد الله خولًا. ومضى إلى مصيره عن دراية، سير العاشق إلى معشوقه، حاملًا أخلاق جدّه وأبيه في كل خطوة، فلم يبدأ بقتال حتى ألقى الحجة على أعداء الله ورسوله بكلماته الوعظية، ومواعظه المتكررة، هو وأصحابه، حتى قال أحد أعدائه: “أبرمتنا بكثرة كلامك!”.
نعم، لقد كتب الله تعالى الخلود لهذه الثورة المباركة، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ببركة قائدها الأخلاقي، وإخلاص أتباعه.
Post Views: 264