حين يصبح الماضي أجمل من الحاضر… أزمة وعي أم فشل إدارة؟

0
130


فاضل الحلو

تعبّر الجملة الساخرة التي يتداولها العراقيون — “نحن البلد الوحيد ماضيه أفضل من حاضره” — عن حالةٍ نفسية واجتماعية عميقة تتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي، لتكشف عن شعورٍ جماعي بالإحباط من الواقع.

هذه العبارة، وإن جاءت على لسان الناس بروح الدعابة، تحمل في طياتها نقداً لاذعاً للمنظومة السياسية والاجتماعية التي فشلت في تحويل تضحيات الماضي إلى حاضرٍ كريم ومستقبلٍ مطمئن.

لقد عانى العراقيون لعقود من الحروب، والحصار، والاضطرابات السياسية، وكان الأمل دائماً أن يكون الغد أفضل من الأمس. غير أن الواقع الذي تشكّل بعد سقوط الأنظمة وتغيّر الوجوه السياسية لم يقدّم الصورة الموعودة، بل زاد من تعقيد المشهد، إذ تحوّل التغيير الذي انتظره الشعب إلى سلسلة من الصراعات الحزبية والطائفية، استنزفت ثروات البلاد وأحبطت طاقات الشباب، حتى باتت المقارنة بين الماضي والحاضر مؤلمة، لا لأن الماضي كان مثالياً، بل لأن الحاضر لم يحقق الحد الأدنى من العدالة والكرامة.

إن nostalgia (الحنين للماضي) ليست ظاهرة عراقية خالصة، لكنها في الحالة العراقية تحمل طابعاً استثنائياً، لأنها ناتجة عن شعورٍ جماعي بأن الدولة فشلت في تحقيق مشروعها الوطني.

فحين يشعر المواطن أن الخدمات تنهار، وأن الفساد يعلو على الكفاءة، وأن الوعود الانتخابية تتكرر بلا أثر، فإنه يلجأ تلقائياً إلى استدعاء الماضي كملاذٍ نفسي، حتى وإن كان ماضياً قاسياً.

المفارقة الكبرى أن العراقي لا يحنّ إلى الديكتاتورية، بل إلى بساطة الحياة، إلى استقرارٍ مفقود ، وما يزيد الصورة قتامة، هو أن الخطاب الشعبي بدأ يعبّر عن هذا الغضب بالسخرية، كوسيلةٍ للدفاع النفسي أمام واقعٍ لا يُحتمل.

فعندما يقول أحدهم مازحاً: “أكطع مطعم رسلي المالكي على راسكم”، فهو لا يقصد الفعل ذاته، بل يعبّر عن عمق الغضب من طبقةٍ سياسيةٍ يراها مسؤولة عن الخراب والخيبة.

إن هذه النكتة الساخرة هي شكل من أشكال المقاومة الهادئة، احتجاجٌ بطعم الضحك على واقعٍ لم يعد يحتمل الجدّ.

الحل لا يكمن في جلد الذات ولا في تمجيد الماضي، بل في استعادة الثقة بالمستقبل. ذلك لن يتحقق إلا بإصلاح حقيقي يضع مصلحة المواطن فوق الصفقات، ويعيد بناء الدولة على أسس الكفاءة والعدالة والمواطنة، فالشعوب لا تُقاس بتاريخها فقط، بل بقدرتها على تحويل ماضيها إلى درسٍ، لا إلى جدارٍ تبكي عليه.

إن العراقي لا يحتاج إلى وعودٍ جديدة، بل إلى تجربة واقعية تجعله يشعر بأن الحاضر يمكن أن يكون أفضل من الأمس. فحين يتوقف الحنين إلى الماضي، نعرف أن الوطن بدأ يتعافى، وأن الذاكرة لم تعد مهرباً، بل جسراً نحو غدٍ أكثر عدلاً وكرامة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here