الذين أُعدموا مرتين!

0
187


فاضل الحلو

مأساة تُروى بدموع الذاكرة ودم الحبر

ليست هذه الصورة مجرّد لقطة صفٍّ دراسي من ثمانينيات العراق، بل هي وثيقة إدانة ضدّ زمنٍ فقد إنسانيته، ومشهد يختزل كيف كان الجهل بالحياة يُقابَل بالموت، وكيف تحوّل الخوف من النظام إلى ديانة تُعبدُ داخل المدارس والبيوت والمكاتب.

في تلك الصورة، يقف ستة وثلاثون طالبًا بقمصانٍ بيضاء وملامح بريئة، لا يعرفون أن الكاميرا التي التقطت وجوههم ستتحوّل يومًا إلى شاهد قبرٍ جماعي.

لم يكونوا معارضين ولا متآمرين، بل أطفالًا ما زالوا يتعلمون الجمع والطرح، وحلمهم الأكبر أن ينجحوا في الامتحان القادم.

لكنهم وُلدوا في زمنٍ كانت فيه الشبهة تهمة، والتهمة حكمًا بالإعدام.

بين جهل السلطة وبراءة الطفولة

ما حدث في عام 1983 لم يكن حادثًا فرديًا، بل كان جزءًا من سياسة الرعب المنهجي التي مارسها النظام البعثي ضد المجتمع العراقي بأكمله.

عبارة مكتوبة على سبورة – “يسقط صدام” – كانت كفيلة بإرسال صفٍّ كامل إلى المقصلة، لأن السلطة آنذاك لم تكن تبحث عن الحقيقة، بل عن الضحية التي تكرّس سلطان الخوف.

المدير الذي أبلغ، ورجل الأمن الذي نفّذ، والقاضي الذي وقّع، كلّهم كانوا أدواتٍ في منظومةٍ شيطنت البراءة لتُثبت ولاءها.

هؤلاء الأطفال لم يُعدَموا بسبب كلماتٍ على سبورة، بل لأنّهم وُجدوا في وطنٍ اعتُبر فيه الصمتُ أذكى وسائل النجاة.

إعدامٌ أول بالرصاص، وثانٍ بالنسيان

أُعدم هؤلاء الصغار بعد محاكمةٍ صورية في ما عُرف بـ “محكمة الثورة المنحلة”، وبقلمٍ أحمر خطّ عليه الطاغية عبارته الشهيرة: “تُقطع الرؤوس العفنة.”

كانت تلك العبارة كافية لتُنهي ستةً وثلاثين حياةً لم تبدأ بعد.

لكن الإعدام لم يتوقف عند الرصاصة. فبعد سقوط النظام، ماتوا مرةً ثانية — في صمتنا، في غياب التأريخ لهم، في عدم تحويل قصتهم إلى ذاكرة وطنية حيّة.

النسيان هنا ليس براءة، بل جريمة أخرى.

ذاكرة العراق المفقودة

هذه الحكاية ليست عن ستة وثلاثين طالبًا فحسب، بل عن جيلٍ بكامله أُريد له أن يعيش في الخوف ويموت في الصمت.

جيلٌ تعلّم أن الولاء للحاكم هو درس التربية الوطنية، وأن السكوت على الظلم جزء من منهاج الحياة.

إن ما فعله النظام البعثي لم يكن فقط قتلَ الأجساد، بل تجفيفَ منابع الوعي الإنساني، وتحويل المدارس إلى مصانع للولاء الإجباري.

ما بين التوثيق والإنصاف

إن مسؤولية الحاضر ليست البكاء على الماضي، بل توثيقه وإنصاف ضحاياه.

فالعدالة لا تكتمل بالمحاكم، بل بالذاكرة.

هؤلاء الصغار ينبغي أن تُكتب أسماؤهم في مناهج التاريخ، وأن تُرفع صورهم في متاحف الذاكرة العراقية، لأن الأمم التي لا تحفظ مآسيها تُعيد إنتاجها دون أن تشعر.

إن مؤسسة السجناء السياسيين، وكل الجهات المعنية بحقوق الإنسان، مطالبة بأن تجعل من هذه الحادثة رمزًا وطنياً ضد الاستبداد، لا ذكرى عابرة على جدارٍ رقمي.

 الحياة التي لم تكتمل

أولئك الطلاب لم يموتوا وحدهم، بل ماتت معهم أحلام أمّهاتٍ كنّ يهيّئن لهم ملابس المدرسة صباحًا.

لكنّ صورتهم الباهتة ما زالت تقول الكثير:

إن البراءة قد تُعدم، لكنّها لا تُهزم.

وإن العراق، رغم ما مرّ به، سيظلّ يرفع رأسه في وجه الطغيان، مادام هناك من يُصرّ على أن يروي الحقيقة… حتى لا يُعدم أحدٌ للمرة الثالثة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here