العراق بعد الانتخابات… قراءة في لحظة التشكل السياسي الجديد

0
212


فاضل الحلو

لم يكن فجر ما بعد الانتخابات سوى بداية فصل جديد في رواية العراق السياسية؛ فصلٌ لا يُكتب بالحماس وحده، ولا يُقرأ بخطاب النتائج الأولية، بل يُفهم من بين السطور: من طبيعة التحالفات، من حركة القوى، من ارتجاف ميزان المصالح، ومن صمت اللاعبين الكبار قبل كلامهم.

المشهد الآن يبدو كلوحة واسعة تتحرك فيها الألوان بلا مركز ثابت. فالصندوق منح بعض التحالفات تقدماً وازناً، لكنه لم يمنح أحداً القدرة على الانفراد بالمشهد، وهذا بحد ذاته ليس عيباً، بل دلالة على أن اللعبة السياسية في العراق تدخل طوراً جديداً من التوازن والبراغماتية.

تحالفات تنتظر نضج اللحظة

التحالفات في العراق لم تعد تُبنى على ثنائيات حادّة كالتي عرفتها السنوات الماضية: غالب/مغلوب، سلطة/معارضة، محور/محور مقابل.

اليوم، تبدو التحالفات أشبه بمقاربات تدريجية تتشكّل وفق ثلاثة محددات رئيسية:

  1. كلفة الصدام: القوى باتت تدرك أن أي دخول في معركة كسر إرادة سيعني خسارة على المستويين الشعبي والسياسي.

  2. الترابط المؤسسي: حيث لم يعد بالإمكان تجاهل طبيعة المؤسسات الحالية التي تفرض قدراً من العمل المشترك.

  3. خريطة الإرادات الإقليمية والدولية: والتي تميل إلى تهدئة التوتر وخلق فضاء يسمح بتسويات مقبولة.

هذه المحددات تجعل التحالفات القادمة أقل أيديولوجية وأكثر براجماتية، وأقرب إلى مفهوم “التوافق المُدار” لا التنافس المفتوح.

ميزان القوى… أوزان تتغير لا تتلاشى

الانتخابات كشفت عن توازن جديد: قوة انتخابية متقدمة لكنها ليست حاسمة، وقوى متوسطة الوزن لكنها شديدة التأثير في تشكيل الغالبية، وأطراف صغيرة تمتلك مفاتيح ترجيح في لحظات حرجة.

هذا الشكل من تعدد مراكز القوة يعطي العملية السياسية مرونة، لكنه يجعلها أيضاً عرضة للمساومات الطويلة.
لكن الجديد هنا أنّ الكتل لم تعد تتصرف بذات الاندفاع الذي كان يطبع مراحل التوتر السابقة؛ فهناك إدراك واضح بأن المرحلة المقبلة محكومة بثلاثة ملفات لا يحتمل أي منها المغامرة:

  • الاقتصاد وما فيه من التزامات خطرة

  • الخدمات التي أصبحت معياراً شعبياً ضاغطاً

  • الاستقرار الأمني الذي لا يرحم الخطأ السياسي

وهذه الملفات تجعل القوى أمام خيار وحيد: التعاون، ولو بدرجات مختلفة.

الشارع العراقي… مراقب صامت لكنه لا ينسى

في مقابل غرفة التفاوض المزدحمة، يقف الشارع العراقي بهدوء… لكنه ليس صمتاً ساذجاً.

فالوعي الشعبي اليوم مختلف عن وعي ما قبل سنوات؛ الناس تقرأ وتراقب، وتفهم حجم التحديات، وتفرّق بين من يرفع الشعارات ومن يقدّم حلولاً واقعية.

ولهذا، فإن أي حكومة أو تحالف قادم سيكون محكوماً بـاختبار الإنجاز لا اختبار الخطاب.

فالانتخابات منحت الشرعية، لكن الشارع وحده من يمنح الاستمرارية.

الدور الإقليمي والدولي… حسابات دقيقة لا تعلن على الملأ

على الرغم من أن الخطاب الإعلامي قد لا يُظهر الكثير، إلا أن الكواليس تعكس رغبة إقليمية ودولية في:

  • منع انزلاق العراق نحو الفراغ

  • دعم حكومة مستقرة يمكنها تنفيذ السياسات الاقتصادية

  • ضمان بقاء العراق ضمن معادلة التوازن لا الصراع

هذه الرغبة لم تعد ضغطاً كما كانت في السنوات السابقة، بل أصبحت إشارة ضوء أصفر: تقدّموا، تفاوضوا، وابنوا تحالفات قادرة على حماية الاستقرار.

نحو مشهد سياسي جديد… ولكن بملامح عراقية خالصة

المشهد العراقي اليوم ليس مشهداً مثالياً، لكنه ليس فوضوياً أيضاً.

إنه مشهد قيد التشكل، تحكمه معادلة دقيقة:

  • لا أحد قادر على الانفراد

  • ولا أحد يمكن تجاوزه

  • والجميع مضطرون للتفاهم

هذه المعادلة قد تبدو معقدة، لكنها من وجهة نظر سياسية تُعتبر فرصة نادرة لإنتاج توازن يُعيد الحيوية للنظام السياسي، ويمنحه قابلية البقاء والتطور.

الخلاصة: ما بعد الانتخابات ليس انتهاءً… بل بدء مرحلة أعمق

الانتخابات انتهت، لكن السياسة بدأت الآن،وما نراه اليوم من حوارات وتحركات ليس سوى السطر الأول في فصل جديد من رواية العراق، رواية تُكتب بتأنٍ، وتتشكل فيها التحالفات كأنها هندسة دقيقة لا تحتمل الخطأ.

فالعراق يدخل مرحلة سياسية جديدة، مرحلة تُختبر فيها النوايا، وتُقاس فيها الأفعال، ويُعاد فيها توزيع الأدوار…لا لتغيير الوجوه فقط، بل لتغيير منطق اللعبة كلها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here