
فاضل الحلو
لم يعد التطرّف يقتحم المجتمعات كما كان يفعل في السابق، صار أكثر تهذيبًا في مظهره، وأشدّ فتكًا في أثره، لم يعد يصرخ في الساحات ولا يتكئ على الخطب الحماسية، بل يجلس بهدوء خلف الشاشات، يراقب، يحلّل، ويتعلّم. إنّه تطرّف بلا ضجيج، يعمل بمنطق البرمجيات، لا بمنطق الشعارات. هذا التحوّل العميق في طبيعة التطرّف يفرض قراءة جديدة، خصوصًا في بلدٍ مثل العراق، دفع أثمانًا باهظة نتيجة موجاته الصاخبة في العقدين الأخيرين.
في العراق، لم يكن التطرّف يومًا فكرة مجرّدة؛ بل تجربة دموية عايشها المجتمع بكل فئاته. من التفجيرات إلى الحروب الداخلية، ومن الخطاب التحريضي العلني إلى العنف المباشر، كانت علامات التطرّف واضحة، يمكن رصدها ومواجهتها أمنيًا، لكن ما بعد هزيمة التنظيمات المتطرفة عسكريًا، لم يكن نهاية القصة، بل بداية فصلٍ أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا.
اليوم، يتخفّى التطرّف في العراق داخل الفضاء الرقمي، ويعيد إنتاج نفسه عبر منصّات التواصل الاجتماعي، مستثمرًا في الانقسامات النفسية والاجتماعية أكثر من استثماره في السلاح، لم يعد بحاجة إلى رايات سوداء أو شعارات صاخبة؛ يكفيه مقطعٌ مُمنتَج بعناية، أو خطابٌ هادئ يقدّم الكراهية على شكل “رأي”، ويغلف الإقصاء بلغة التحليل، ويعيد صياغة العنف بوصفه “ضرورة” أو “دفاعًا عن الهوية”.
الحالة العراقية، بما تحمله من إرث الحروب، والحرمان، وفقدان الثقة بالمؤسسات، تمثّل بيئة حسّاسة أمام هذا النوع الجديد من التطرّف، فالشباب الذين لم يعيشوا ذروة العنف قد يتلقّون اليوم سردياته بصيغة مختلفة: أقل دمًا، وأكثر عقلنة. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يتحوّل التطرّف من صدمة تُرفض فطريًا، إلى فكرة تُناقَش وتُمرَّر تدريجيًا.
الأخطر من ذلك، أن التطرّف الصامت لا يستهدف الدولة مباشرة، بل يفتّت المجتمع من الداخل. يزرع الشك بين مكوّناته، يعمّق خطاب “نحن” و“هم”، ويُبقي جذوة الصراع مشتعلة تحت سطح الهدوء الظاهري، في العراق حيث لا تزال الذاكرة الجمعية مثقلة بالجراح، يصبح هذا النمط من التطرّف تهديدًا طويل الأمد، لا تُجدي معه الحلول الأمنية وحدها.
إن مواجهة هذا التحدّي تتطلّب انتقالًا في أدوات المواجهة، من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي. فكما يعمل التطرّف بمنطق البرمجيات، يجب أن تعمل مواجهته بمنطق الوعي، التعليم، الإعلام المسؤول، الخطاب الديني المتزن، وتمكين الشباب من التفكير النقدي، جميعها خطوط دفاع أساسية لا تقل أهمية عن أي إجراء أمني.
لقد علّم العراق العالم أن التطرّف حين يعلو صوته يكون مدمرًا، لكنه يعلّمنا اليوم درسًا آخر أكثر قسوة: أن التطرّف حين يصمت، يصبح أذكى، وأطول عمرًا، وأشدّ خطرًا، وفي هذا الصمت، لا بدّ أن يكون الوعي أعلى صوتًا من أي وقت مضى.
Post Views: 78