الترشح لرئاسة الجمهورية بين النص الدستوري والعرف السياسي

0
30


فاضل الحلو

منذ عام 2005 تشكّل في العراق عُرفٌ سياسي غير مكتوب، قوامه توزيع الرئاسات الثلاث وفق توازنات مكوّناتية: رئاسة الجمهورية للأكراد، رئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة مجلس النواب للسنة. وعلى الرغم من أن هذا الترتيب لم يرد في نص الدستور، إلا أنه تحوّل مع مرور الوقت إلى قاعدة شبه ثابتة، بل إلى ما يشبه “الدستور الموازي” الذي ينظّم الحياة السياسية فعلياً.

وفي هذا السياق يبرز سؤال جوهري: ما الفائدة الدستورية والسياسية من ترشح مجموعة من الشخصيات لمنصب رئيس الجمهورية، في وقت يعلم فيه الجميع أن المنصب محسوم عرفياً لصالح أحد الحزبين الكرديين الرئيسيين؟

أولاً: بين النص الدستوري والعرف السياسي

ينص الدستور العراقي على أن رئيس الجمهورية يُنتخب من قبل مجلس النواب بأغلبية الثلثين في الجولة الأولى، ثم بالأغلبية البسيطة في حال عدم تحقق النصاب المطلوب. النص واضح في إقراره مبدأ التنافس المفتوح دون قيد قومي أو حزبي، غير أن الممارسة السياسية كرّست منذ الدورة الأولى بعد 2005 عرفاً يقضي بأن يكون المنصب من حصة المكوّن الكردي، وبصورة أدق خاضعاً لتوافقات الحزبين الكرديين الرئيسيين.

هذا التحول من النص إلى العرف يعكس طبيعة النظام السياسي العراقي القائم على التوافقات، لا على المنافسة البرامجية. فالعرف هنا لم ينشأ من فراغ، بل من منطق إدارة التنوع ومن محاولة تثبيت الاستقرار بعد مرحلة انتقالية مضطربة، إلا أن المشكلة تكمن في أن العرف، بمرور الوقت أصبح أقوى من النص، وأفرغ مبدأ التنافس الدستوري من محتواه الحقيقي.

ثانياً: هل الترشح إجراء شكلي أم ممارسة دستورية ضرورية؟

على المستوى الشكلي، يبقى فتح باب الترشح ضرورة دستورية، لأنه يحافظ على الإطار القانوني للعملية السياسية ويمنع تحولها إلى تعيين مباشر، لكن حين يكون القرار متخذاً مسبقاً ضمن تفاهمات سياسية مغلقة، فإن الترشح يتحول إلى ممارسة بروتوكولية لا أكثر.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن الترشح عديم الجدوى تماماً. فوجود أكثر من مرشح—even ضمن معادلة محسومة—يكشف حجم التوازنات داخل البيت الكردي نفسه، ويعكس طبيعة الصراع أو التنافس بين القوى السياسية، كما يمنح بعض الكتل البرلمانية ورقة تفاوضية في سياق تشكيل الحكومة أو توزيع المناصب الأخرى بمعنى آخر، الترشح قد لا يكون تنافساً على المنصب بقدر ما هو أداة ضغط في معادلة أوسع.

ثالثاً: إشكالية إفراغ التنافس من مضمونه

تكمن الخطورة الحقيقية في تحوّل الاستحقاق الدستوري إلى طقس سياسي شكلي. فعندما يشعر الرأي العام أن النتائج محسومة سلفاً، تتراجع الثقة بالعملية الديمقراطية ويصبح التصويت في مجلس النواب مجرد تنفيذ لتوافقات خارج قاعة البرلمان.

هذا الواقع يكرّس نمطاً من الديمقراطية التوافقية المغلقة، حيث تُحسم القرارات الكبرى عبر التفاوض بين النخب، لا عبر التنافس العلني على أساس البرامج، ومع أن هذا النموذج قد يضمن قدراً من الاستقرار، إلا أنه يُضعف مبدأ المساءلة ويهمّش الرأي العام.

رابعاً: الغياب الإعلامي… شريك في تكريس الشكلية

اللافت في كل دورة انتخابية لرئاسة الجمهورية هو الغياب شبه التام للدور المهني للإعلام، سواء الحزبي أو الرسمي أو شبه الرسمي. فلا تُعقد مناظرات، ولا تُناقش برامج المرشحين، ولا تُطرح رؤاهم حول دور رئاسة الجمهورية في حماية الدستور أو إدارة الأزمات السياسية.

هذا الغياب لا يمكن فصله عن إدراك ضمني بأن القرار محسوم. فالإعلام، الذي يفترض أن يكون منصة للنقاش العام، يتعامل مع الحدث باعتباره استحقاقاً إجرائياً لا يستحق التغطية التحليلية المعمقة، وبهذا المعنى، يتحول الإعلام من سلطة رقابية إلى شاهد صامت على توافقات ما قبل الجلسة.

إن غياب النقاش الإعلامي يحرم الرأي العام من فرصة فهم طبيعة المنصب وحدوده وصلاحياته، ويعزز فكرة أن رئيس الجمهورية مجرد منصب رمزي، في حين أن الدستور يمنحه أدواراً مهمة، منها المصادقة على القوانين، وتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، وتمثيل الدولة في المحافل الدولية.

خامساً: بين الواقعية السياسية والإصلاح الدستوري

قد يجادل البعض بأن العرف السياسي ضرورة واقعية في مجتمع متعدد كالعراق، وأن الخروج عنه دون بديل توافقي قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة، غير أن ترسيخ الأعراف غير المكتوبة على حساب النصوص الدستورية يخلق إشكالية مزدوجة: فهو من جهة يقيّد التطور الديمقراطي، ومن جهة أخرى يجعل النظام السياسي رهينة تفاهمات قابلة للتبدل بحسب موازين القوى.

الحل لا يكمن بالضرورة في كسر العرف بشكل صدامي، بل في إعادة الاعتبار إلى مبدأ التنافس الحقيقي، عبر:

  1. تعزيز الشفافية في اختيار المرشحين داخل المكوّن نفسه.

  2. فتح المجال أمام نقاش إعلامي وبرلماني جاد حول برامج المرشحين.

  3. إعادة قراءة صلاحيات رئيس الجمهورية وتفعيلها ضمن الإطار الدستوري.

  4. ترسيخ ثقافة المواطنة بدلاً من المحاصصة الصلبة.

في الختام إن ترشح مجموعة لمنصب رئيس الجمهورية في ظل حسم عرفي مسبق يضع العملية السياسية أمام اختبار المصداقية، فبين النص الدستوري الذي يفتح باب التنافس، والعرف السياسي الذي يقيّده، تتجسد معضلة الديمقراطية العراقية: هل هي ديمقراطية إجراءات أم ديمقراطية خيارات حقيقية؟

إن استمرار التعامل مع الاستحقاقات الدستورية كإجراءات شكلية يهدد بتآكل الثقة الشعبية، ويحوّل المؤسسات إلى أطر تنفيذ لتوافقات مغلقة، أما إعادة الاعتبار للتنافس العلني، وللدور المهني للإعلام، فهي خطوة ضرورية لتحويل المنصب من استحقاق محسوم عرفياً إلى موقع دستوري فاعل يعكس إرادة سياسية حقيقية، لا مجرد توازنات مسبقة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here