
فاضل الحلو
تمرُّ على العراق في السادس عشر من آذار ذكرى أليمة تختزن في طياتها صفحاتٍ دامية من تاريخ البلاد، حين ارتكب النظام البعثي الصدامي سلسلة من الجرائم المروّعة بحق أبناء الشعب العراقي، جرائم ما زالت آثارها محفورة في ذاكرة الوطن وضمير الإنسانية.
وفي مقدمة تلك الجرائم جريمة قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية عام 1988، التي تعدّ واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، إذ استُهدفت مدينة آمنة وسكانها المدنيون بمواد محرّمة دولياً، ما أدى إلى استشهاد الآلاف وإصابة أعداد كبيرة من الأبرياء، في مشهدٍ جسّد أقصى درجات القسوة والتجرد من القيم الإنسانية.
كما شكّلت حملات عمليات الأنفال فصلاً آخر من فصول القمع والإبادة، حيث استهدفت القرى الآمنة في إقليم كردستان، فهُدمت القرى، وهُجّر السكان، وقُتل الآلاف من المدنيين، في محاولةٍ ممنهجة لمحو الوجود الإنساني وتدمير البنية الاجتماعية لتلك المناطق.
ولم تقف جرائم النظام عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل المقابر الجماعية التي ضمّت مئات الآلاف من الأبرياء من أبناء الشعب العراقي، الذين قُتلوا بدم بارد ودُفنوا في صحارى البلاد من دون محاكمة أو حتى معرفة مصيرهم من قبل ذويهم. كما أعقبت انتفاضة عام 1991 موجة قمع واسعة، عُرفت بـ الانتفاضة الشعبانية، حيث واجه النظام أصوات المطالبة بالحرية بالعنف والاعتقالات والإعدامات الجماعية.
وفي سياق تلك السياسة القمعية، طالت يد البطش أيضاً المراجع والعلماء في الحوزة العلمية في النجف، حيث تعرّض العديد منهم لعمليات اغتيال وملاحقة، في محاولة لإسكات الأصوات الدينية والفكرية التي كانت تمثل ضمير المجتمع ومرجعيته الروحية.
إن استذكار هذه الجرائم لا يهدف فقط إلى استحضار الألم، بل إلى ترسيخ الوعي الوطني بحجم التضحيات التي قدمها العراقيون في مواجهة الاستبداد. فهذه الأحداث لم تكن مجرد وقائع تاريخية عابرة، بل كانت جزءاً من سياسة ممنهجة هدفت إلى إخضاع المجتمع العراقي وإلغاء إرادته.
واليوم، إذ يستذكر العراقيون هذه الذكرى، فإنهم يؤكدون أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية وتوثيق تلك الجرائم، وفاءً لدماء الضحايا وإنصافاً لعوائلهم، وضمانةً للأجيال القادمة كي لا تتكرر مثل هذه المآسي. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها وتتعلم من تاريخها تكون أكثر قدرة على حماية مستقبلها وبناء دولة تقوم على العدالة والكرامة واحترام الإنسان.
إن السادس عشر من آذار سيبقى علامة فارقة في تاريخ العراق، يوماً يُستحضر فيه الألم، لكنه أيضاً يوم يتجدد فيه العهد بأن تظل تضحيات الضحايا منارة تذكّر الأجيال بأن الحرية والعدالة لا تُصانان إلا بالوعي والذاكرة الحية.
Post Views: 22