الرئيسية مقالات رهانات خاطئة وقراءات مرتبكة: كيف أخطأ البعض في تقدير مسار الصراع؟

فاضل الحلو
في خضم التوترات الإقليمية اندفع عدد من الكتّاب والقنوات الإعلامية العراقية إلى تبنّي خطاب حاسم، راهن على هزيمة إيران مستندين إلى تصعيد عسكري وضغوط سياسية اعتُبرت في نظرهم كفيلة بكسر إرادة طهران وإجبارها على التراجع، غير أن مجريات الأحداث كما يراها هذا الطرح جاءت بعكس تلك التوقعات لتكشف عن فجوة واضحة بين التحليل والرؤية الواقعية.
لقد بُنيت تلك الرهانات على قراءة سطحية لموازين القوى، افترضت أن الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على حسم الصراع سريعاً، وأن إلكيان الصهيوني يمتلك اليد الطولى في فرض معادلات الردع، إلا أن ما حدث وفق هذا المنظور هو توقف مسار التصعيد، والانتقال إلى تهدئة رافقها قبول أمريكي بشروط طرحتها إيران، الأمر الذي فُسّر على أنه تحوّل في اتجاهات الصراع.
هذا التحول أعاد طرح سؤال جوهري: هل أخطأ بعض المحللين في فهم طبيعة الصراع؟ أم أنهم تأثروا بخطابات إعلامية منحازة غلبت عليها الرغبات السياسية أكثر من الحقائق الميدانية؟
فالسياسة بطبيعتها لا تسير وفق الأمنيات بل تُبنى على حسابات معقدة تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية، والقدرة على الصمود وكلفة المواجهة.
في المقابل، يُنظر إلى ما جرى بوصفه دليلاً على أن إيران نجحت في إدارة الصراع بأدوات متعددة، جمعت بين الصبر الاستراتيجي، وتوسيع أوراق الضغط، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تستنزف الجميع، وهو ما جعل خصومها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، يميلون إلى خيار التهدئة بدلاً من التصعيد المفتوح.
أما داخلياً، فقد وضعت هذه التطورات بعض الأصوات الإعلامية أمام اختبار مهني حقيقي، بعدما تبنّت مواقف حادة وتوقعات قطعية لم تصمد أمام الواقع، وهو ما يسلط الضوء على إشكالية أعمق في الخطاب الإعلامي تتعلق بغياب التحليل المتوازن والانجراف نحو المواقف المسبقة.
إن ما حدث لا يعني نهاية الصراع، بل يؤكد أن المنطقة تعيش حالة إعادة تشكيل مستمرة لموازين القوى، حيث لا مكان للأحكام المطلقة أو القراءات المتسرعة. وبين رهانات سقطت ووقائع فرضت نفسها، يبقى الدرس الأهم: أن فهم السياسة يتطلب قراءة هادئة، لا انفعالاً، وتحليلاً يستند إلى الوقائع، لا التمنيات.
Post Views: 45