قراءة في أسباب ونتائج الحرب الدائرة بين الجمهورية الإسلامية وأمريكا والكيان الصهيوني . ( 2 )

0
257


د. حسين علي السلطاني

ثانيًا: نتائج الحرب :
١- شهادة قائد الثورة

بينما كانت الأنظار مشدودة إلى نتائج المباحثات الدائرة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية، تفاجأ العالم بهجومٍ مسلّحٍ واسع شنّته أمريكا والكيان الصهيوني على إيران، صبيحة يوم السبت 2026/2/28، طال عدة محافظات، منها العاصمة طهران.

وقد أسفر هذا الهجوم الغاشم عن استشهاد قائد الثورة الإسلامية آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي (قدّس سرّه الشريف)، وثلّةٍ من القادة العسكريين، منهم: القائد العام لحرس الثورة الإسلامية، ووزير الدفاع الإيراني، ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية.

وكان الهدف من وراء هذا العمل الإجرامي إضعاف المعنويات، وقطع الارتباط بين منظومة القيادة والسيطرة وقطعاتها، تمهيدًا لنزول مناوئي الثورة ومعارضي النظام الإسلامي إلى الشارع، وفرض سيطرتهم على مؤسسات الدولة، والإعلان عن تشكيل نظامٍ سياسيٍّ جديد يتعهد بالتبعية لأمريكا، ويضع موارد البلاد ونفطها تحت تصرّفها، على نحوٍ يشبه ما حدث في فنزويلا. ليعلن دونالد ترامب بعد ذلك تحقيق الانتصار والسيطرة على قلب العالم، و رسم خارطته الجديدة ، وفرض هيمنة الكيان الصهيوني عليه

غير أنّ إرادة الله شاءت أن تسير الأمور على غير ما خطّط له الجناة، فتبدّدت أحلامهم، وانقلب السحر على الساحر، واتجهت الأحداث نحو مسارٍ آخر. وفي هذا المقال نقتصر على الحديث حول فقدان قائد الثورة، وما أحدثه استشهاده (قدّس سرّه الشريف) من أثرٍ في إفشال المخطط، وتعبئة الأمة، وتحصين الثورة.

– فقدان السيد الخامنئي ( قدس سره الشريف )

لا شكّ أنّ فقدان السيد الخامنئي وغيابه عن قيادة الجمهورية الإسلامية يمثّل خسارةً كبرى؛ فهذا الرجل العظيم عايش أحداث الثورة الإسلامية لأكثر من ستين عامًا، وأظهر خلالها قدراتٍ استثنائية وسجايا فاضلة في العلم والتقوى، والصمود والمواجهة، والثبات والاستقامة، فضلًا عن القيادة والإدارة.

فلم يكن مجتهدًا في الفقه والأصول فحسب، بل كان عالمًا في القيادة والتخطيط، والتربية والتعليم، والفلسفة والاجتماع، وعلوم القرآن والحديث، والتاريخ والسيرة، والأدب والفن. كما امتلك قدرةً إبداعية في رسم المنهج وتحديد الطريق وعرض المطالب، ووهبه الله بيانًا بليغاً في الإقناع والتأثير.

وخلال ثلاثة عقود، حققت الجمهورية الإسلامية في ظل توجيهاته السديدة وإدارته الحكيمة ثورةً علمية كبرى، ونهضةً صناعية واسعة، وتنميةً بشرية شاملة. فكان بحق قائدًا ملهمًا وهادياً مرشدًا، قاد الثورة بشموخ، وعبر بها منعطفاتٍ خطيرة وظروفٍ شائكة، فلم يهن ولم ينكل، ولم ينحنِ، بل بقي شامخًا كالجبل الأشم، ثابتًا على مواقفه المبدئية، ومؤمنًا بمشروعه وأمته و تأييد الله إليه .

كان قويًا في ذات الله، لا تأخذه في الحق لومة لائم، دافع عن المظلومين، ووقف ندّاً عنيدًا للظالمين والمستكبرين ، كشف عن مؤامراتهم و بيّن زيف مدعياتهم وحجم الجرائم الشنيعة التي يرتكبونها ضد المسلمين عموما والفلسطينيين خصوصا وأهالي غزة المظلومة بالأخص ، ومن المواضيع التي حظييت باهتمام كبير منه ( قدس سره) وأولاها عناية إستثنائية موضوع الوحدة بين المسلمين على مختلف مذاهبهم ، وحذّر أيّما تحذير من الإنجرار وراء مخططات الأعداء لإحداث التفرقة بينهم، كان ( رضوان الله عليه ) محبًا للناس عمومًا، متواضعًا في التعامل معهم، الأمر الذي جعله مهوى قلوب الملايين من أحرار الأمة والعالم .

– آثار الشهادة
تمثل الشهادة مقامًا ساميًا في الرؤية الإسلامية ، و كان السيد الخامنئي طالبا لها ومتمنياً لنيلها ، وقد منحه الله هذه المنزلة الرفيعة وهو في أسمى عبادة، وهي فريضة الصيام، وفي أفضل الشهور، وهو شهر رمضان، و حظي بها عن عمرٍ ناهز السادسة والثمانين سنة ، وعند التأمل في حياته وتاريخه الجهادي، لا يجد الإنسان جزاءً يليق بتضحياته وعطائه إلا أن يكون شهيدا ويحظى بمقام الشهادة .

ومع ما يحمله هذا الفقد من مرارةٍ كبيرة، لكن مثلما كان عمره الشريف مباركاً وحياته زاخرة بالعطاء تركت شهادته هي الأخرى آثاراً عديدة، من أبرزها:

1. نزول الشعب الإيراني إلى الشارع والإعلان عن رفضه القاطع للعدوان الأمريكي الصهيوني على بلده والتعبير عن حزنه العميق لفقد قائده الكبير وسخطه الشديد وغضبه العارم للإسلوب الوحشي والإستفزازي الذي تمّ إعتماده في عملية الإغتيال .

2- مؤازرة الشعب الإيراني لقواته المسلحة ، ودعمه المطلق لها ، وولائه التام لدولته الإسلاميّة ونظامه السياسي ، الأمر الذي أفشل الجزء الأكبر من المخطط العدائي على بلدهم ونظامهم السياسي .

3- إختيار آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي قائداً للثورة الإسلامية خلفا لوالده الشهيد ، وقد حظي هذا الانتخاب بمباركة علمائيّة وجماهيريّة واسعة وبفترة زمنيّة قياسيّة ، و بالتأكيد لم يتحقق كل ذلك بهذه السهولة والسلاسة لولا شهادة السيد الخامنئي وظروفها الخاصة .

4- وحدة الموقف للشعب الإيراني – موالاة ومعارضة – تجاه ما يتعرض له بلدهم من إعتداء و تجاوزهم لخلافاتهم ، خدمةً لمصلحة بلدهم وإدراكاً منهم لحجم المخاطر المحدقة بهم .

5- التضامن الواسع بين للمسلمين مع الدولة الإسلامية وشعبها الكريم ، وتأييدهم لمواقفها ورفضهم للاعتداء الظالم الذي وقع عليها .

بهذا الإجمال يتضح إنّ الظروف الصعبة ، والتحولات الخطيرة – رغم قساوتها – يمكن لها أن تساهم في تكامل الإنسان وتصبّ في مصلحته ، إذا ما تعامل معها بدقة وتحمل مسؤولياته تجاهها بوعي ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) ال عمران : 139
للحديث صلة

للاطلاع على الجزء الاول

تفضل هنا

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here