العراق بين صناديق الاقتراع وامتحان الوعي الوطني

0
253


فاضل الحلو

حين تُطوى صناديق الاقتراع وتخفت ضوضاء الحملات، تبدأ المرحلة الأكثر صدقًا في حياة الأمم: مرحلة ما بعد التصويت. فالمسألة ليست فيمن يفوز، بل في الكيفية التي تُدار بها النتائج، وكيف تتحول الإرادة الشعبية إلى فعلٍ مؤسسيٍّ يُعيد للدولة حضورها وهيبتها، هنا يتبدّى الفرق بين الانتخابات بوصفها حدثاً سياسياً موسمياً، وبينها كعلامةٍ على نضوج الوعي الوطني، إذ ليست الديمقراطية صندوقاً فحسب، بل ثقافة وسلوك وممارسة.

العراق، بعد عقدين من التجارب الديمقراطية المتعاقبة، لم يعد ذلك الكائن المرتبك بين أحلام الحرية وحقائق الفوضى، صار أكثر درايةً بأزماته، وأكثر وعياً بمكامن الخلل في منظومته السياسية والإدارية، فالمواطن العراقي، الذي خبر مرارات الصراع والطائفية والانقسام، صار يقرأ المشهد بعينٍ ناقدة لا بعاطفةٍ مندفعة، لم تعد الشعارات وحدها كافية لتوجيه اختياره، بل بات يسائل ويُحاسب ويقارن بين الوعود والنتائج.

ومع ذلك، فإن الديمقراطية العراقية ما زالت تواجه تحدياتٍ بنيويةٍ عميقة. فالإشكال لا يكمن فقط في التزوير أو ضعف المشاركة، بل في البنية السياسية ذاتها التي ما زالت تُدار وفق معادلات المحاصصة وتوازن القوى لا وفق معيار الكفاءة والمواطنة، هذا ما يجعل نتائج الانتخابات، مهما كانت نزيهة، غير قادرة على إنتاج تغيير جوهري ما لم تتبدل القواعد التي تُصاغ بها العملية السياسية برمتها.

إن ما بعد الانتخابات هو اختبارٌ لمؤسسات الدولة أكثر من كونه احتفالاً بالفوز أو الخسارة. فحين تتحول النتائج إلى وسيلة للإقصاء أو الانتقام السياسي، تفقد الديمقراطية معناها الأخلاقي، أما حين تُدار بروح المسؤولية والتسامي على الحسابات الضيقة، فإنها تغدو مدخلاً لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهنا تبرز مسؤولية النخب السياسية في تجاوز عقلية “المكاسب”، لصالح منطق “الواجب الوطني”.

لقد أثبتت التجربة أن صناديق الاقتراع، مهما بلغت شفافيتها، لا تصنع لوحدها ديمقراطية حقيقية ما لم ترافقها مؤسسات قوية وقضاء مستقل وإعلام حر ومجتمع مدني فاعل، فالديمقراطية ليست مجرد آلية للاختيار، بل منظومة متكاملة تضمن المحاسبة والعدالة وتكافؤ الفرص، ومن دون ذلك، تظل الانتخابات واجهة شكلية تُعيد إنتاج ذات الأزمة في كل دورةٍ انتخابية جديدة.

إن العراق اليوم يقف أمام مفترقٍ حاسم: إما أن يجعل من الانتخابات مدخلاً لتصحيح المسار وبناء دولة القانون والمؤسسات، أو أن تبقى مجرد دورةٍ سياسية جديدة تُضاف إلى سجل التجارب الناقصة، الخيار لا تحدده الصناديق وحدها، بل يحدده وعي الناس وقدرة النخب على الارتفاع إلى مستوى اللحظة التاريخية.

وفي نهاية المطاف، ليست الديمقراطية غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لبلوغ العدالة والمواطنة والكرامة. والانتخابات ليست نهاية الطريق، بل بدايته، حين يفهم العراقيون أن التصويت لا ينتهي بإغلاق الصناديق، بل يبدأ منه مشوار المحاسبة والمطالبة والإصلاح، عندها فقط يمكن القول إن التجربة العراقية قد بلغت رشدها، وإن العراق بدأ يكتب فصلاً جديداً من تاريخه بوعيٍ لا بشعارات، وبإرادةٍ لا بردود فعل.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here