قوة الأنظمة السياسية في العراق: بين البقاء والاستقرار الحقيقي

0
20


فاضل الحلو

لا تُقاس قوة الأنظمة السياسية بعدد سنوات بقائها في الحكم، ولا بقدرتها على فرض الأمن بالقوة، بل بمدى قدرتها على إنتاج الاستقرار القائم على الرضا الاجتماعي والشرعية السياسية، فالدولة التي تعتمد على أدوات الردع وحدها قد تبدو قوية في الظاهر، لكنها تكون في الحقيقة هشّة من الداخل، تنتظر لحظة اهتزاز التوازنات كي تنكشف أزماتها دفعة واحدة.

الاستقرار ليس أمناً فقط

في التجربة العراقية، كما في تجارب كثيرة حول العالم، أثبت التاريخ أن الأمن وحده لا يصنع دولة مستقرة، فالاستقرار الحقيقي هو منظومة متكاملة تقوم على:

  1. شرعية سياسية واضحة: أي شعور المواطنين بأن السلطة تستند إلى الدستور والقانون والإرادة الشعبية، لا إلى الغلبة أو المحاصصة أو السلاح.

  2. عدالة في توزيع الثروة والخدمات: فالدولة التي تعجز عن توفير الكهرباء والماء والعمل والصحة والتعليم، تضعف علاقتها بالمجتمع مهما امتلكت من أدوات القوة.

  3. مؤسسات فاعلة ومحايدة: عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات حزبية أو فئوية، يفقد المواطن ثقته بها، وتبدأ فكرة الدولة نفسها بالتآكل.

  4. توازن اجتماعي وأخلاقي: أي وجود عقد اجتماعي يضمن التعايش بين المكوّنات، ويمنع تحويل الاختلافات السياسية أو الطائفية إلى صراعات وجودية.

هذه العوامل ليست ترفاً نظرياً، بل هي الأساس الذي يمنح أي نظام سياسي القدرة على الاستمرار في مواجهة الأزمات.

العراق وتحدّي إدارة التوازنات

بعد عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة قامت على التعددية والانتخابات، لكنها في الوقت نفسه أُثقلت بإرث طويل من الحروب والعقوبات والانقسامات. ومع مرور الوقت، تحوّل نظام المحاصصة إلى آلية لإدارة السلطة أكثر من كونه وسيلة لبناء الدولة، فأصبحت التوازنات السياسية تُدار بمنطق التسويات المؤقتة لا بمنطق المشروع الوطني الجامع.

هذا الواقع أنتج معادلة معقّدة: حكومات تتشكل بصعوبة، مؤسسات تتقاسمها القوى السياسية، ومواطن يشعر بأن الدولة بعيدة عن همومه اليومية. ورغم أن النظام السياسي استمر لأكثر من عقدين، إلا أن الأزمات المتكررة — من الاحتجاجات الشعبية إلى الأزمات الاقتصادية والأمنية كشفت أن الاستقرار ما يزال هشّاً وقابلاً للاهتزاز.

الشرعية تُستنزف بصمت

أخطر ما يواجه أي نظام سياسي ليس الانقلاب المفاجئ، بل التآكل البطيء للشرعية، فهذا التآكل يحدث عندما تتكرر الوعود من دون إنجاز، وعندما يشعر المواطن أن صوته الانتخابي لا يغيّر شيئاً، وأن الفساد أقوى من القانون، وأن الولاءات الفرعية تتقدّم على المصلحة الوطنية.

في مثل هذه الحالة، قد تستمر الدولة شكلياً، لكن العلاقة بين المجتمع والسلطة تصبح علاقة اضطرارية لا علاقة ثقة. وهنا تكمن الخطورة: لأن الأنظمة لا تنهار دائماً بسبب قوة خصومها، بل أحياناً بسبب فقدانها القدرة على إقناع مواطنيها بجدوى بقائها.

الاقتصاد بوابة الاستقرار أو الانفجار

لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد. فالعراق، رغم ثروته النفطية الكبيرة، ما يزال يعاني من اقتصاد ريعي يعتمد على النفط بشكل شبه كامل. وهذا يجعل الدولة رهينة لتقلبات الأسعار العالمية، ويحدّ من قدرتها على خلق فرص عمل وتنمية مستدامة.

الاقتصاد الريعي يخلق أيضاً علاقة غير صحية بين الدولة والمجتمع؛ إذ تتحول الدولة إلى موزّع للرواتب والمنافع، لا إلى محرّك للإنتاج والتنمية. ومع تضخم الجهاز الحكومي وارتفاع البطالة بين الشباب، تتزايد الضغوط الاجتماعية، ويصبح أي تراجع اقتصادي عاملاً مباشراً في زعزعة الاستقرار السياسي.

الدولة القوية ليست الدولة القاسية

هناك خلط شائع بين قوة الدولة وقسوتها. فالدولة القوية ليست التي تُخيف مواطنيها، بل التي تحظى باحترامهم وثقتهم. وهي الدولة التي يحتكم فيها الجميع إلى القانون، وتُدار فيها الخلافات عبر المؤسسات، لا عبر الشارع أو السلاح.

في العراق، ما تزال مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز استقلال القضاء، وإصلاح الإدارة، ومكافحة الفساد، تمثل اختبارات حقيقية لقدرة النظام السياسي على التحول من دولة توازنات إلى دولة مؤسسات.

 فرصة الإصلاح قبل تراكم الأزمات

إن الحديث عن هشاشة الأنظمة السياسية لا يعني التهويل أو الدعوة إلى التشاؤم، بل هو دعوة لقراءة الواقع بواقعية ومسؤولية، فالعراق يمتلك مقومات كبيرة للاستقرار: ثروة طبيعية، وموقعاً جغرافياً مهماً، وتنوعاً مجتمعياً يمكن أن يكون مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه المقومات تحتاج إلى إدارة سياسية رشيدة تُعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

إن قوة الأنظمة السياسية في العراق لا تُقاس بعدد السنوات التي تبقى فيها في الحكم، بل بقدرتها على بناء دولة يشعر المواطن بأنها عادلة وفاعلة وتمثله، فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه الجدران الأمنية وحدها، بل تصنعه الثقة، والعدالة، وحسن إدارة التنوع، والقدرة على تحويل الدولة من ساحة صراع إلى إطار جامع للمجتمع كله.

ولهذا، فإن أي نظام يتجاهل هذه الحقائق قد يبدو مستقراً اليوم، لكنه يزرع في داخله بذور أزمته المقبلة. أما النظام الذي يبني شرعيته على خدمة الناس وإدارة التوازنات بحكمة، فهو وحده القادر على تحويل البقاء في السلطة إلى استقرار حقيقي للدولة والمجتمع.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here