وقائع المحكومية الثانية

0
1877

حافظ العقابي ….
لا بأس ان نكون سجناء ، ولسنا اول سجناء العالم ولا اخرهم ، فالعالم بطبيعته المتوارثة مقسم بدقة الى سجين وسجان وصفوف من البشر بينهما ، السجين الحسي معاقب على فعل او قول او اعتقاد ، والسجان مريض هوسي بدل ان يكون في المصح جعلوه قرينك البرزخي ، دماغ مغسول يرى نفسه حارسا لمملكة اربابه وعليه ان يفتك بكل من يشك بولائه ، يعبد البشر من دون الله لأنه لا يعرف ربه الاصلي ، وفي المسافة المغبرة ما بين السجين والسجان حشد متلاطم من الافكار والأوهام والباطل المحبوب والحق المكروه ، والأظافر التي تقلع فيفرح القالع ويلتاع المقلوع ، والزنزانات الحالكة المعطلة الزمن ، الزنزانات التي تقيأت نزلاءها المطرزة جلودهم بلسعات السياط ، المطرزة قلوبهم بالذهول والغيبوبة والصمت والصراخ المؤجل ، كثير منهم دخل السجن مخيرا غير مسير ، والسجن احب اليه مما يدعونه اليه ، ومن يختار السجن فذلك يعني ان في هذه الحياة الكالحة ماهو امر من السجن وادهى ، الحياة ليست دائما فرصة للعيش بل هي احيانا فرصة يزاول فيها البشر اغرب طقوس الانتقام والتشفي المرضي وتطوير ثقافة الابادة .
هناك من يفتخر بانه سجين ، ومن يفتخر بأنه سجان كما يرغب ربه المزيف ، خرجوا من السجون منتصرين لانهم نجحوا في الحفاظ على ادمغتهم تعمل بدقة على مدار الساعة المتوقفة ، الدماغ الطبيعي لا يمكنه ان يحتمل موجات صوت زعيق جلاد يأتي في الثلث الاخير من الليل ، يعوي الما واحتقارا لنفسه ، يبحث عن انسان مثله ليفتك به متشفيا ويستمد سعادته من منظر الضحية وهي تتلوى وتئن وتنزف ، لكنهم غادروا السجن ونجح بعضهم في محو تلك الصور ، فيما نجح البعض في التصالح مع ذلك التاريخ بحياد مختلق ، في كل الاحوال هم احرار وقد اكتشفوا نظريات هائلة ، منها تلك النظرية التي تقول ان الجلاد الذي كان يزوركم كل ليلة هو السجين الحقيقي وانتم الاحرار في الزنزانة وخارجها .
انتم سجناء بالمعنى المجازي لأنكم اخترتم السجن بأنفسكم فأصبحتم انتم السجان وجلادكم هو السجين ، والدليل على ذلك انه مازال معتقلا محتجزا مجلودا بسياط طباعه الظلامية ، سجين بقبضة الوحش الذي في داخله ، انتم انتصرتم لان سجنكم اختياري ، سجن ناتج من قرار شخصي ، واتخاذ القرار هو عمل قيادي ، فانتم قادة لأنكم قررتم دخول السجن لتواجهوا الجلاد المدجج بكل شيء بدروعكم الحصينة التي هي اضلاعكم المقوسة وبضع آيات تتلى بعشق فريد ، لكن عندما غادرتم الزنزانات لتتفقدوا ما تبقى من العالم مجددا انزاح شيء داكن من ابصاركم لتروا عجائب ما وراء التراب فأبصرتم ما لم يبصر الاخرون .
اكتشفتم ان اغلب القادة الذين استقبلوكم ضاحكين هم ليسوا من صنفكم لأنهم ليسوا قادة مثلكم بل هم سجناء من نوع جديد ، هم سجناء واسرى ومحتجزون ، سجناء داخل بدلاتهم الانيقة التي هي زنزانات من قماش فرنسي ، سجناء طاولاتهم الكبيرة وجكساراتهم العملاقة ، سجناء السكرتيرات الغجريات بمكياجهن الفاقع ، سجناء الاتكيت والبروتوكول وأوهام العظمة التي هي وضاعة مغلفة ، سجناء التراتب الوظيفي ، وقانون المشي الرسمي والجلوس الرسمي والضحك الرسمي ، سجناء سلب الارادة وسلب العقل وقد يكون الشرف والنزاهة والإيمان من بين المسروقات عنوة تحت التهديد ، يحزنكم انكم كنتم تتلقون السياط بكل حرية وبطولة ومروءة نادرة .
اصبحتم اليوم احرارا تستقبلون باستغراب سياط سجناء اخرين ، تساقون الى زنزانات القوانين المزعومة ، قانون يسرك وقانون يسوؤك ، قانون يقلقك وقانون يكذب عليك ، ويبتسم لك السجان السجين والجلاد المجلود ، سياطه كلمات معسولة مكررة وسيل من الاكاذيب تتدفق من وسائل الاعلام سوداء محمومة كرائحة التفاح التي تفوح من دخان قنبلة الخردل القاتلة . المهم في كل هذا المسار العجيب انهم وبعد انتهاء فصلهم الاول كشفت ابصارهم عن دوائر تريد ان تذيقهم المزيد بسياط القوانين ، المطلوب طي اسطورة السجن الثاني غضبا ، رفضا ، انفة ، فيكون الاحرار في قمة الهرم ، ليشرفوا الالقاب التي طال تدنيسها .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here