الأزمة السياسية في العراق: آفاق الحل وآليات العمل

0
1199

د. حسين على السلطاني …
تميّز بيان المرجعية الأخير عن غيره من البيانات التي صدرت عنها خلال فترة التظاهرات التي شهدها العراق خلال الشهرين الماضيين ، بأنه عالج الأزمة من جميع جوانِبها ، و بيّن وظائف و مسؤوليات كل طرف من أطرافها بوضوح تام ، و بالتالي رسم خارطة طريق دقيقة ، إذا ما إلتزم بها الجميع ستتحول هذه الأزمة السياسية التي نعيشها إلى فرصة ثمينة لمعالجة الخلل الكبير في نظامنا السياسي وأدائنا الحكومي ، و ستعود نتائجها بالنفع على الجميع ، بعيداً عن المزايدات و الخصومات و تصفية الحسابات ، و نقف هنا على معالجة هذا الموضوع الحساس و الخطير من خلال النقاط الآتية :

النقطة الأولى : موضوع التظاهرات.
أكد سماحة السيد المرجع ( دام ظلّه الشريف ) على مساندة الإحتجاجات ، و التأكيد على الإلتزام بسلميتها ، وخلوها بأي شكل من أشكال العنف . و السؤال المهم الذي يُطرح هنا : كيف سيتم ذلك ؟

حدث التظاهرات و الإحتجاجات فيه أطراف متعددة ، فإذا ما أردنا لهذه المظاهرات أن تحقق كامل أهدافها وبأقل درجة من الخسائر ، يستدعي من كل طرف من أطرافها أن يؤدي دوره فيها على أكمل وجه ، و من أهم هذه الأطراف :

١- المتظاهرون أنفسهم .
وتتمثل وظيفتهم الأساسية ، وفق توصيات المرجعية العليا بما يأتي :

أ- المحافظة على سلمية التظاهرات و عدم التهاون أو السماح لأي طرف ، وتحت أي مبرر بإختراقها و حرفها عن مسارها الصحيح ، بقصد أو دون قصد ، و يتم ذلك من خلال تشكيل لجان خاصة وظيفتها تحديد مواضع الخرق و التعاون مع الأجهزة الأمنية لمعالجتها وفق القانون ، لان التهاون او التسامح لإنجرار المظاهرات نحو العنف لأي سبب كان سيتيح الفرصة للقوى المتضررة من عملية الإصلاح لتشويه سمعة المتظاهرين و إجهاض مشروعهم الإصلاحي .

ب- أن يضع المتظاهرون أهدافاً سامية لمظاهراتهم وان يتم التركيز في مطاليبهم على مواضيع محددة و أساسية تُمثل تطلعات و آمال الشعب العراقي بأسرهم، دون الدخول بقضايا خلافية و صراعات جانبية ؛ ليبرهنوا للجميع أنهم أصحاب مشروع مقدس ، لا ينطلق من آفاق ضيقة تحركها الغرائز وتسيرها الأهواء وتغذيها دوافع الثأر وحب الانتقام وتصفية الحسابات ، بل لابد أن يكون الدافع هو حب الوطن والمواطنين بأجمعهم وتحقيق الإصلاح لهم ، وهو – الإصلاح – بدوره كفيل بإنصاف المظلوم والإقتصاص من الظالم ، إقتداءً بمنهج أمير المؤمنين علي “ع” في تعامله مع مخالفيه الذي حدده بقوله : ( اللهم إنّك تعلم إنّه لم يكن الذي كان مِنّا منافسة في سلطان و لا إلتماس شيء من فضول الحِطام و لكن لِنرد المعالم من دينك و نظهر الإصلاح في بلادِك .

وهو ذات النهج الذي كشف عنه الإمام الحسين عليه السلام بقوله : ( إنّي لم أخرج أشِراً ولا بطراً و لا مُفسداً و لا ظالماً و إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله ) . حتى نتمكن أ ن نبني بلدنا ونحقق السعادة لشعبنا ، ففي ظل المحبة والتعاون تبنى الأوطان وتزدهر الشعوب وتتحقق العدالة ، وليس في ظل الكراهية والعداوة والتفرقة والصراعات ، والتجربة الإنسانية ماثلة أمام الجميع ،فما من أمة من الأمم شهدت نهضة وحققت تقدما الا وكان العلم رائدها والقيم والفضيلة منطلقها ، وما من خراب أ وتأخر إلا وكان الجهل والانحطاط والإثم والعدوان يقف وراءه ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة / 2

ج : أن يتجنب المتظاهرون الإحتكاك بالقوى الأمنية أو التصادم معهم ، لأن ذلك سيشوه سمعتهم أولاً و يُفشل مشروعهم الإصلاحي ثانياً و يتسبب في إزهاق أرواح بريئة من كلا الطرفين ثالثاً، وكل ذلك لا مبرر له عقلاً و لا مسوّغ له شرعاً ، ولا ينسجم مع الفطرة الإنسانية السليمة فالتعاون مع القوى الأمنية و المحافظة على هيبتها و مساندتها للقيام بوظائفها بمهنية و حيادية تامة ، سيساهم بدرجة كبيرة بتحقيق أهداف المتظاهرين من جهة ، و يجنب البلد مخاطر الإنزلاق بالفوضى و الإقتتال الداخلي من جهة أخرى

د : إن اية حركة يُراد لها النجاح و المحافظة على سلامتها من الإنحراف لا بدّ لها من بوصلة تُحدد أهدافها ، و توجه مسيرتها ، وتضبط إيقاعها وحتى تُحَقّقَ هذه البوصلة غرضها لابد أن يتوفر فيها شرطان : المعرفة التامة بالغرض أولاً و الأمانة الكاملة في المحافظة عليه ثانياً ، ومن أبرز المصاديق الحائزة لهذين الوصفين في بلدنا هو المرجع الأعلى السيد السيستاني ( دام ظله الشريف ) فإذا ما أراد المتظاهرون تحقيق أهدافهم بأقل الخسائر و أقرب الوقت ، و ضمان مسيرتهم من الإختراق أو الإحتواء أو الإنحراف ، فما عليهم إلا أن يجعلوا توصياته نصب أعينهم ، و يضعوا توجيهاته موضع التنفيذ أمامهم ، لأنها سبيل النجاة وطريق الهداية : ( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ) يونس/٣٥

٢- القوى الأمنية
تمثل القوى الأمنية على مختلف اصنافها احد اهم الركائز الاساسية للمحافظة على المتظاهرين و سير المظاهرات بالإتجاه الصحيح وإنما يتم ذلك إذا ما إلتزمت هذه القوات بواجباتها بدقة وأدت مسؤولياتها بانضباط عال ، فمن واجباتها الأساسية في هذه المرحلة حماية المتظاهرين السلميين و التعامل معهم بإحترام كبير و عدم اللجوء الى إستخدام القوة معهم والسيطرة على إنفعالاتهم عند موارد الخروقات الجزئية والبسيطة التي تصدرعن المتظاهرين في حالات الغضب ، لكن في نفس الوقت عليها أن لاتتهاون مع مظاهر الخرق للإحتجاجات أو حرفها عن مسارها الصحيح ، بما يؤدي الى تخريب دوائر الدولة و تعطيل منشئاتها أو الإعتداء على الممتلكات العامة و الخاصة ، لأن ذلك أيضا من وظائفها القانونية الحصرية

إن قيام القوات الأمنية بهذا الدور المتوازن وبالتالي إستطاعتهم من اخراج بلدهم و شعبهم من هذا المأزق بسلام سيجعلهم موضع فخر و إعتزاز لكل أبناء الشعب العراقي و سيسجل لهم التاريخ هذا الموقف المشرف بأحرف من نور

٣- أداء الحكومة و القوى السياسية .
يقتضي من الحكومة و القوى السياسية المؤثرة في القرار السياسي ان تعي حجم التحديات التي تواجه البلد ، و تدرك حجم مسؤولياتها الجسيمة في هذا المقطع التأريخي الحساس و بالتالي يجدر بها أن تكون جادة تماماً في تحقيق الإصلاحات الجذرية و ضمن سقوف زمنية محددة ، كما أن على الحكومة تحديداً أن توازن في أدائها بين توفير الحماية للمتظاهرين و ضمان سلامتهم من أي إعتداء – سواء من أجهزة الدولة
أو غيرها – و السعي لتلبية مطاليبهم المشروعة و الممكنة بأقرب وقت ممكن ، و بين أن تحافظ على المصالح العامة للبلد و تسيير إدارات الدولة بإنتظام ، خصوصاً الخدمية منها ، و فرض إستتباب الأمن و عدم السماح لإنزلاق البلد بإتجاه الفوضى و الصراع الداخلي ، مهما كلّف الأمر … لأن الخسارة حينذاك ستكون فادحة و مضاعفة في حال إنهيار المنظومة الأمنية و إنفلات الأمور ( لا سمح الله) .

النقطة الثانية : موضوع الإصلاحات .
هذا هو الهدف الأساسي من التظاهرات و الإحتجاجات ، و تطرح في هذا المجال تساؤلات متعددة :

السؤال الأول : ما مستوى سقف الإصلاحات ؟
الإصلاحات التي يطالب بها أغلب المتظاهرين ، و أكدت عليها المرجعية العليا هي الإصلاحات التي تكون تحت سقف الدستور و من خلال الآليات القانونية المتاحة و لها مستويان :

المستوى الأول ، و هي الإصلاحات المرتبطة ببنية النظام السياسي و إطاره القانوني العام ، ومنها قانون الإنتخابات والمفوضية ، و هذا المستوى من الإصلاحات هو الأهم و الضروري ، ففي حالة معالجته سيتم القضاء في الواقع على كثير من الآثار السلبية التي يعيشها البلد ، ويتجرع مرارتها المجتمع ، كالمحاصصة ، و الفساد ، و الإستئثار بالمناصب .

أما في حالة عدم تمكن القوى السياسية من تنفيذها فستكون الإصلاحات الأخرى شكلية ولا تعالج أصل المشكلة ، وفي هذا الإطارإذا تمت الإصلاحات تحت سقف المادة (١٤٢) فستكون المعالجات ترقيعية ولا تلامس جوهر المشكلة ، أما إذا كانت منبثقة عن المادة (١٢٦) فستيتح للجنة المكلفة بتنفيذها فرصة أكبر للمعالجة ، لكن في كل الأحوال ما لم يكن الضغط الجماهيري موازياً لعمل اللجنة و متابعاً لخطواتها ، ومصراً على إجراء تعديلات حقيقية و أساسية من قبلها فإنها غير قادرة لوحدها على إنجاز مهمتها بالشكل المطلوب .

المستوى الثاني : وهي الإصلاحات المرتبطة بالجانب التنفيذي ، ومن أهم عناوينها : مكافحة الفساد ، إلغاء إمتيازات كبار المسؤولين ، و الإبتعاد عن المحاصصة و المحسوبيات في تولي الدرجات الخاصة ، و المعالجات على هذا الصعيد مهمة و ضرورية ، لكن فيها الكثير من التفاصيل تستدعي مقالاً مستقلاً ، و لا بد من الإشارة هنا أن ما ذُكر من عناوين تستدعي الإصلاح إنما هي عناوين لإبرز المصاديق و إلا نحن بحاجة إلى مراجعة جادة لكل المناهج المعتمدة في إدارات القطاعات الأساسية ، التربوية ، و الإقتصادية و الأمنية و الإدارية و …. .

النقطة الثالثة : التدخل الخارجي في موضوع الإصلاحات .
من التحديات الكبيرة التي تواجه موضوعة الإصلاحات هو سعي العامل الخارجي و قوى داخلية غاشمة ، على رأسها تنظيم حزب البعث المجرم إستغلال المظاهرات و جرّها لصالح أهدافهم المشؤومة ، و الضمانة المعول عليها لإفشال هذا المخطط الخبيث هو وعي المتظاهرين و إلتزامهم العملي بتوجيهات المرجعية و توصياتها السديدة .

بقي أن نشير هنا في خاتمة المقال إلى ضرورة أن تكون الحلول المعتمدة لجميع الإشكاليات التي يعيشها واقعنا السياسي من خلال معالجة الأسباب و ليس بمعالجة النتائج لإنها ستكون متكررة مهما إجتهدنا في القضاء عليها.

نسأل الله ان يحفظ بلدنا ويجنب شعبنا كل سوء.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here