( حواء خلف القضبان ) شاهدة على عصر الطغاة

0
436

حكمت البخاتي …
ان تعيش تجربة الحدث وتكتسب خبرته ثم تكتب بقلم مداده مشاعر عاشت ذلك الحدث وامتزجت بالذاكرة تفاصيله فأنت قد اكتملت لديك جوانب صورته واحتشدت مفردات الحقيقة تتزاحم على نصل قلمك .
هكذا بدأ قلم حواء ( مجموعة سجينات سياسات ) يتدفق وهو يسرد مذكرات أسيرات السجون من السياسات العراقيات الماسكات بشرف الوطن خلف القضبان وفي أحلك الظروف وأشد اختبارات شرف الوطنية ، لكن عناد النضال وقوة الصمود ينبأن فيهن أنهن بمستوى المسؤولية الوطنية والانسانية وعلامات تضيء طريق الايمان في عتمة عصر الطغاة .
شهادات حواء ( خلف القضبان ) توثقها وتخطها السجينة السياسية والاعلامية ( أحلام حسين رهك ) وهي المراة التي عاشت ماساة عصر الطغاة ومخضت تجربة الاعتقال والسجن وتزودت بذلك الحس الانساني المرهف الذي قادها الى توثيق مذكرات أخواتها وبنات جيلها ونساء وطنها .

وفي أول تلك الشهادات التوثيقية تبدأ السجينة السياسية ( وفاء خير الله ) سرد مذكراتها وهي تكشف عن قدر جسور يحدو بها الى المواجهة قدر مكلل بالنصر في نهاية المطاف لكن ثمنه غال جدا الى حد مهر الحرية فأسرتها زوجها وأولادها واقارب لها مروا عبر جسور الحرية شهادة وسجنا فقضت وهي في مقتبل عمرها ( 17) عاما خلف القضبان لكن أعمار الطغاة قصار وأعمار الأحرار طوال لتكون ( وفاء ) شاهدة أولى على عصر الطغاة .
لتتضح تلك الشهادة بشكل جلي مع ما رشحت به ذاكرة السجينة السياسية ( فاطمة حسان المقدادي ) وهي تروي تجربتها ( مجاميع نسوية جيء بنا كي نعيش حياة … بشكل قسري ) حياة جمعت نسوة عراقيات اسلاميات وشيوعيات اختلفت مشارب واتجاهات السياسة لديهن لكن عزاء القسر في تلك الحياة خلف القضبان أنهن مناضلات ومعارضات قدمن أرواحهن فداء للوطن والعقيدة ، وتسرد ( فاطمة ) أسماءهن بكل وفاء امرأة خبرت عقيدة الوفاء فالوفاء لدى أولئك النسوة عقيدة وقيمة عليا استلهمتها ( فاطمة ) في شهادتها على ذلك العصر الطاغوتي .
وفي تسجيل توثيقي تستنطق السجينة السياسية ( سعاد كاظم راضي ) ذاكرتها بمرار الذكريات وهي تدون كل مأساة ومعاناة التحقيق وتذكر بأساليب التعذيب الدامية التي يمارسها أوغاد البعث لتخلص الى تساؤل يتعلق بأوغاد التحقيق والتعذيب لكنه تساؤل يتحول الى لغز يحيرها ( مالذي يدفع هؤلاء الى ان يستقتلوا للدفاع عن هذا النظام ) بكل ذلك التخلي عن كل انسانيتهم وتحولهم الى وحوش ضارية بلا ضمير أو وازع من نبل إنساني .
وعلى صفحات ( حواء خلف القضبان ) نلتقي بذكريات النضال والاعتقال ترويها السجينة السياسية ( شاميران مروكل اوديشو ) وفيها نشهد معاناة المرأة العراقية اذا أعتنقت فكرا يخالف عقيدة السلطة فهي بين التشرد والتخفي والمطاردة تقضي فصول حياتها وفي غرف التحقيق والتعذيب المظلمة يمارس بحقها أبشع صنوف التعذيب وتظل أثار التعذيب التي ظلت عالقة بجسدها الى هذا اليوم توثق ذاكرتها السياسية بشكل غير قابل للرد .
لكن وفي سياقات التواصل مع القاريء الكريم والمتلقي النبيه أود أن أخبره أني لم أستطع إتمام قراءة مذكرات ( حواء خلف القضبان ) لأن هول المأساة كانت كبيرة الوقع على نفسي وأنا الذي عشت تجربة الاعتقال والسجن ،
لم أتمالك دموع عيوني وهي ترغم الفؤاد الكسير على الاستجابة لها حين قرأت ما كتبته المعتقلة السياسية ( هه ريم عبد الرحمن حمد أمين ) فمأساة حلبجة صوّرتها تلك المدكرات بعفوية نقية من كل انحيازات السياسة وهي في أحداثها ووقائعها تشكل صوت الطفولة النقية المغتصبة في حلمها وجسدها وهي تمر عبر مسارات العذاب من القتل الكيماوي الى الابادة الجماعية الى النفي في صحراء لاترتادها إلا وحوش البعث وكواسر تعتاش على قمامة الدكتاتور .
هه ريم عبد الرحمن أمين لقد اهتز عرش الرحمن لهول المأساة فاصدحي بصوتك حتى يسمع الله تعالى كلماتك .
وإذ لا يسع المجال في هذه القراءة اليسيرة في تلك المذكرات الخالدة بوقعها الانساني والاخلاقي وتوثيقها التاريخي والسياسي أن تستعرض كل مذكرات أولئك النساء الكبيرات معنى ومغزى من السجينات السياسات فانها تحيل المتلقي والقاريء الكريم الى مراجعتها ومطالعتها من أجل أن لاتسهو ذاكرتنا عن الخطايا الكبرى والجرائم العظمى التي ارتكبها طغاة العصر وطغام البعث لاسيما دكتاتورهم الممحو اسمه وشخصه من قيود الانسانية وسجلات البشرية .

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here