الرئيسية مقالات حسين الجياشي… ابن العراق الذي لم يسأل عنه أحد من أي جهة...

فاضل الحلو
حين توحّد العراقيون على وجعٍ واحد بعد طول انقسام
بكاه ابن الأنبار، وغاص في دجلة بحثًا عنه شابٌّ من السليمانية، وناح عليه رجال الگريعات ونساء الأعظمية، وصلّت له الجوامع وكبّرت باسمه حسينيات الكاظمية.
لم يسأل أحد: “من أين هو؟”
لأن الغريق هذه المرة لم يكن فردًا، بل رمزًا لوطنٍ بأكمله — وطنٍ أنهكته التقسيمات، وأرهقته الأسئلة عن الانتماء والمذهب والمنطقة، حتى جاء حسين الجياشي ليذكّر الجميع أن العراقي، حين يُغرقه الألم، يصبح ابن العراق كلّه.
الرمز الذي اختصر الجغرافيا
الراحل حسين الجياشي من السماوة، لكن مشهد الوداع له تخطّى حدود المدينة والمحافظة والجهة.
كل العراق كان في موكب جنازته: العرب والكرد، السنة والشيعة، الشمال والجنوب.
لقد غاب جسده في الماء، لكن حضوره في الوجدان كان طوفانًا من الوعي الوطني.
ربما لم يكن حسين قائدًا سياسيًا ولا ناشطًا مشهورًا، لكنه أصبح في لحظة واحدة رمزًا لما عجزت عن تحقيقه سنوات من الشعارات: أن نكون عراقيين قبل أي توصيفٍ آخر.
حين يتكلم الحزن بلغة الوطن
في بلدٍ أنهكته الطائفية والمناطقية، جاء الحزن هذه المرة نقيًّا، عابرًا للانتماءات.
لم نسمع مَن يسأل “إلى أي طائفة ينتمي الغريق؟” ولا “هل هو من الجنوب أم من الغربية؟”
بل رأينا الناس جميعًا يقرأون له الفاتحة، كما لو أن العراق قرأها لنفسه.
هكذا فقط يمكن للأوطان أن تُشفى: عندما يكون الفقد وطنياً، لا فئوياً، وعندما تكون الدموع لغةً موحّدة لا تحتاج إلى ترجمة سياسية.
الرسالة التي بعثها الغريق
حسين لم يكن يعلم أن رحيله سيوقظ في الناس ما غيّبته السياسة: الضمير الجمعي، والذاكرة العراقية التي قاومت الطغاة والمحتلين والحدود المصطنعة.
في رحيله قال لنا بصمته إن العراقيين ما زالوا قادرين على الالتقاء حول ما هو إنساني، لا ما هو مذهبي أو حزبي.
إنها رسالة بسيطة وعميقة: ما يوحّدنا أكثر مما يفرّقنا، فقط لو تركنا للإنسان فينا أن يتكلم قبل الانتماء.
العراق الذي ما زال حيًا
من السماوة إلى السليمانية، من الكاظمية إلى الأعظمية، امتدت خيوط الحزن كأنها خارطة العراق الأصلية — لا تلك المرسومة على الورق، بل المرسومة في القلوب.
لقد كشف الغريق ما حاولت السياسة دفنه: أنّ العراق، رغم كل شيء، ما زال واحدًا في الفرح والفقد، في التكبير والنواح، في الفاتحة والدمعة.
حين يصبح الإنسان هو الهوية
رحل حسين الجياشي، لكنّه ترك خلفه ما هو أثمن من حياته: ترك درسًا في الوطنية الصامتة، وفي وحدة الدم والدمعة.
لقد أثبت أن العراقيين، حين يواجهون الفقد الصادق، يسقطون عن أنفسهم كل الأقنعة، ويعودون إلى أصلهم الأول: أبناء وطنٍ واحدٍ اسمه العراق.
فالفاتحة لروحه، وللوعي الذي أعاد إلينا: أن الإنسان هو الجهة الوحيدة التي تستحق الانتماء.
Post Views: 598