العراق… حين يتكلّم الطين

0
132


فاضل الحلو

من بين ضفافٍ روَت الأرضَ بالعصور، وسماءٍ شهدت ميلادَ التاريخ، يقف العراق كأنه لحظة الخلق الأولى، الطين الذي صاغ الإنسان، والفكر الذي أنار الوجود.

هنا، حيث صاغت سومر أولَ نغمةٍ للكون، وتعلّم الطين أن يتكلّم، وارتفعت بابلُ كأنها فكرةٌ تسابق السماء، وتوشّحت نينوى بحروفٍ كتبتها النار على ألواح الخلود.

العراق ليس وطنًا عابرًا في الجغرافيا، بل فكرةُ البقاء في وجه الفناء، ونبوءةُ النور في زمن الظلمة. فيه كلّ الأزمنة تتقاطع، وكلّ الحضارات تنحني لتقبّل ترابه الذي ما زال يفوح من رحم الأسطورة.

تحت شمس العراق وُلد الإنسان مرتين: مرةً من طين الفرات، ومرةً من نار الصبر. وبين الدجلة والفرات ظلّت الذاكرة تُعيد كتابة نفسها، كأنها تخاف أن يضيع المجد في غبار النسيان.

في العراق، لا يموت الحلم حتى لو مات الحالم. فكلُّ نخلةٍ هناك ترفعُ رأسها كأنها تصلي، وكلُّ طفلٍ يولدُ وفي عينيه ظلٌّ من بابل ونورٌ من كربلاء.

العراق… ليس اسمًا يُقال، بل قصيدةٌ تُتلى، ووعدٌ قديمٌ بأن النور مهما غاب، سيعود من أرضٍ خُلقت لتكون فجر العالم.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here