
فاضل الحلو
ليست المأساة في سقوط الأنظمة المستبدة فكل سلطة مهما بلغت قوتها تحمل في داخلها لحظة انهيارها لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يسقط الجسد وتبقى الروح حيّة، تتخفى في الزوايا وتعيد إنتاج نفسها بمهارة الحرباء وهذا ما حدث في العراق بعد عام 2003 إذ سقط النظام لكن كثيرًا من أدواته الفكرية والنفسية والاجتماعية بقيت تتحرك بين الناس بأسماء جديدة وخطابات مختلفة.
لقد ظنّ العراقيون وهم يشاهدون تماثيل الطاغية تتهاوى في الساحات أن صفحة البعث قد أُغلقت إلى الأبد وأن زمن الخوف والمخبر السري والأمن الخاص قد انتهى بلا رجعة، غير أن التجربة أثبتت أن الأحزاب العقائدية الشمولية لا تموت بسهولة لأنها لا تعيش داخل المؤسسات فقط بل تسكن في العقول التي تربّت على الاستعلاء وفي النفوس التي اعتادت أن ترى الوطن مزرعة خاصة والسلطة غنيمة أبدية.
البعث لم يكن مجرد حزب سياسي عابر بل كان منظومة متكاملة لإنتاج الانتهازية والطاعة العمياء والتسلق على أكتاف الدم ولذلك عندما انهار البناء الرسمي لم يختفِ رجاله بل توزعوا داخل المجتمع بهدوء شديد كما تتسرب المياه تحت الأبواب المغلقة، بعضهم ارتدى ثوب الأكاديمية وآخرون دخلوا عالم الإعلام أو التجارة أو حتى النشاط المدني لكن القاسم المشترك بينهم ظل ثابتًا، الحنين إلى السلطة القديمة والرغبة الدفينة في الانتقام من عراق ما بعد 2003.
والمفارقة الأكثر قسوة أن هؤلاء وجدوا في الديمقراطية مساحةً للحركة لم يكونوا ليمنحوها لخصومهم يومًا، صاروا يتحدثون عن الحرية وحقوق الإنسان والتعددية بينما تاريخهم مليء بالمشانق والمقابر الجماعية وغرف التعذيب، يستخدمون لغة ناعمة لكن بعقلية لم تغادرها ثقافة الإقصاء، يهاجمون النظام الجديد لا من باب الحرص على الدولة بل لأنهم لم يغفروا للتاريخ أنه انتزع منهم امتيازات القوة والخوف.
في الجامعات تحديدًا تسللت بعض هذه العقليات إلى عقول الأجيال الجديدة، هناك من حوّل المحاضرات إلى منصات مبطنة لبث الحنين إلى “هيبة الدولة” القديمة متجاهلين أن تلك الهيبة كانت تُبنى على جماجم المعارضين وأنين السجون، يعيدون صياغة التاريخ بطريقة انتقائية فيظهر الجلاد بصورة رجل الدولة بينما يُتهم الضحايا بأنهم سبب الخراب، إنها محاولة خطيرة لإعادة تدوير الذاكرة الوطنية لا بالسلاح هذه المرة بل بالكلمة والصورة والخطاب الثقافي.
لكن الإنصاف يقتضي أيضًا الاعتراف بأن البيئة التي سمحت بعودة هذه العقليات لم تنشأ من فراغ، فالفساد وضعف الدولة وصراعات القوى السياسية بعد 2003، منحت البعثيين السابقين فرصة لتقديم أنفسهم بوصفهم “البديل المنظم” أو “الزمن الأقل فوضى”، وهنا تكمن الخطورة إذ إن الشعوب المنهكة قد تشتاق أحيانًا إلى جلادها إذا فشل البديل في تحقيق العدالة والاستقرار.
إن المعركة الحقيقية في العراق اليوم ليست مع أشخاص بعينهم بل مع ثقافة الاستبداد بكل أشكالها، فالبعث ليس اسمًا فقط بل ذهنية تقوم على تمجيد الفرد واحتقار المختلف وتقديس القوة وتبرير القمع باسم الوطن، وهذه الذهنية يمكن أن ترتدي ألف قناع وتدخل من أبواب شتى، ما لم يمتلك المجتمع ذاكرة حيّة ووعيًا نقديًا يحصّنه من إعادة إنتاج الكارثة.
العراق لا يحتاج إلى اجترار الأحقاد لكنه أيضًا لا يستطيع النجاة إذا نسي تاريخه، فالأمم التي تفقد ذاكرتها تصبح مستعدة لتكرار مآسيها بأيدٍ جديدة وشعارات أكثر أناقة.
Post Views: 8