عندما تصبح البطة أخطر من التجاوزات.. مفارقات الوعي البيئي في العراق

0
10


فاضل الحلو

كلما عاد عراقي من رحلة إلى تركيا أو إحدى الدول السياحية، يروي بإعجاب مشاهد الطيور التي تقترب من الناس دون خوف، والبط الذي يسبح في الأنهار بأمان، والحدائق الممتدة، والأشجار التي تملأ الشوارع، والنظافة التي تحيط بالمكان، وغالباً ما تتحول هذه المشاهد إلى مادة للمقارنة مع واقع المدن العراقية التي أنهكتها التجاوزات والإهمال وضعف التخطيط.

لكن المفارقة تبدأ عندما يحاول بعض الشباب القيام بخطوات بسيطة لنقل جزء من هذه الصورة الحضارية إلى العراق، شاب يزرع شجرة، وآخر ينظف مكاناً عاماً، وثالث يطلق عدداً من الطيور أو البط في نهر أو متنزه، فتتحول المبادرة إلى مادة للسخرية والتندر والاتهامات، بدلاً من أن تكون فرصة لتشجيع ثقافة العمل التطوعي والمسؤولية المجتمعية.

في العراق نعاني أحياناً من أزمة في استقبال المبادرات الفردية. فبدلاً من مناقشة الفكرة وتطويرها وتصحيح أخطائها إن وجدت، ينشغل البعض بإحباط صاحبها والتقليل من شأنها. وكأن المطلوب أن يبقى الواقع على حاله، وأن يقتصر دور المواطن على الشكوى وانتظار الحلول من الجهات الرسمية.

الأكثر إثارة للجدل هو أن بعض الأصوات الرسمية لا تتحرك إلا عندما تكون المبادرة صادرة من مواطن بسيط. فجأة يرتفع الحديث عن “التوازن البيئي” و”النظام الإيكولوجي” عندما يتم إطلاق بضع بطات في نهر أو زراعة عدد من الأشجار في شارع، وهي ملاحظات قد تكون علمياً صحيحة إذا استندت إلى دراسات وخطط بيئية مدروسة، لكن السؤال الذي يطرحه الشارع العراقي يبقى مشروعاً: أين كانت هذه الحساسية البيئية أمام التجاوزات الكبرى؟

أين كانت التحذيرات عندما تم ردم أجزاء من ضفاف الأنهار؟ وأين كانت عندما تحولت المساحات الخضراء إلى كتل إسمنتية؟ وأين كانت أمام مشاريع ومجمعات سكنية وتجارية التهمت الطبيعة وغيرت ملامح المدن؟ ولماذا يبدو القانون صارماً مع المبادرات الصغيرة ومتسامحاً مع التجاوزات الكبيرة؟

إن القضية ليست قضية بطة أو شجرة أو حملة تنظيف، بل قضية ثقة بين المواطن والمؤسسات، فالمواطن يريد أن يرى معايير موحدة تطبق على الجميع، وأن يشعر بأن الجهات المعنية تدافع عن البيئة في كل الملفات، لا في الملفات التي يسهل إثارة الجدل حولها إعلامياً.

لا أحد يطالب بتجاهل الأسس العلمية أو السماح بأي نشاط قد يضر بالنظام البيئي، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي تحويل المبادرات التطوعية إلى متهم دائم، فالأمم المتقدمة لم تصل إلى ما هي عليه بقرارات حكومية فقط، بل بثقافة مجتمعية تجعل المواطن شريكاً في حماية المكان وتجميله.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو قتل روح المبادرة. فحين يسخر الناس من زارع شجرة، ومنظف شارع، ومحب للطبيعة، فإنهم يرسلون رسالة سلبية مفادها أن العمل الإيجابي لا قيمة له. وعندها يصبح الخراب أمراً عادياً، بينما يتحول الإصلاح إلى مادة للتهكم.

وفي ظل هذا المشهد، قد يظن البعض أن المشكلة الحقيقية في نهر دجلة ليست التجاوزات العمرانية أو التلوث أو الإهمال، بل تلك البطة المسكينة التي قررت أن تسبح فيه، وهي مفارقة تختصر جانباً من طريقة تعاملنا مع كثير من القضايا العامة؛ حيث نختلف على التفاصيل الصغيرة، بينما تمر المشكلات الكبيرة بصمت.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here