الرئيسية مقالات بين التصفيق والعداء.. أزمة التلقي في الفضاء الثقافي الرقمي

فاضل الحلو
في زمنٍ تحولت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للأحكام الفورية، أصبحت عملية قراءة النصوص والأفكار تخضع غالباً لمنطق الاصطفاف لا لمنطق الجمال، فالقارئ المعاصر أو على الأقل قطاع واسع منه لم يعد يسأل: كيف كُتب النص؟ بل يسأل أولاً: هل أتفق مع ما يقوله أم أختلف معه؟ ومن هنا تبدأ المشكلة.
فالنقد الحقيقي لا يُبنى على الإعجاب الأعمى ولا على الكراهية المسبقة، المدح الذي يأتي من دون وعي لا يختلف كثيراً عن الذم الذي ينطلق من تصفية الحسابات، كلاهما يعطل فعل القراءة ويحوّل النص إلى مجرد ذريعة لتأكيد المواقف المسبقة.
في المقابل هناك مستوى آخر من التلقي لا يتوقف عند الأفكار وحدها بل يتجاوزها إلى الأدوات التي صيغت بها تلك الأفكار، فالنص الأدبي أو الفكري ليس مجرد حاوية للمضمون وإنما هو بناء جمالي قائم بذاته؛ لغته، وإيقاعه، وصوره، وطرائق تشكله، كلها عناصر تستحق التأمل بمعزل عن الموقف الأيديولوجي من محتواه.
القارئ المؤدلج يرى العالم من خلال قناعته السياسية أو العقائدية، لذلك يتعامل مع النصوص بوصفها بيانات تأييد أو معارضة، فإذا وافقت أفكاره منحها صكوك الإبداع وإذا خالفتها حكم عليها بالفشل مهما بلغت قيمتها الفنية، وهكذا تتحول القراءة من فعل معرفي وجمالي إلى محكمة أيديولوجية لا تسمع سوى صوت القاضي.
أما القراءة الجمالية فتنطلق من مكان مختلف تماماً، إنها تبحث عن جمال العبارة وعن قدرة اللغة على خلق الدهشة، وعن البنية العميقة للنص، يستطيع القارئ الجمالي أن يعجب بأسلوب كاتب يختلف معه جذرياً وأن يرفض أفكار نص ما مع الاعتراف الكامل ببراعته الفنية، وهذه القدرة على الفصل بين القيمة الفنية والموقف الفكري هي إحدى علامات النضج النقدي.
لقد قرأ كثير من النقاد عبر التاريخ نصوصاً لا يشاركون أصحابها معتقداتهم أو توجهاتهم السياسية، لكنهم توقفوا أمام جمالياتها اللغوية باعتبارها منجزاً إنسانياً مستقلاً، فالفن العظيم لا يُقاس فقط بما يقوله، بل بكيفية قوله أيضاً. واللغة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي جزء من جوهر العمل نفسه.
المشكلة أن الفضاء الرقمي المعاصر لا يمنح هذا النوع من القراءة وقتاً كافياً. فسرعة التفاعل تدفع الجمهور إلى إصدار الأحكام قبل التأمل، وإلى الانشغال بالموقف أكثر من البنية، وبالرسالة أكثر من الأسلوب، لذلك نجد آلاف التعليقات التي تناقش الفكرة وقليلاً جداً منها يلتفت إلى جمال الصياغة أو براعة التشكيل اللغوي.
إن أخطر ما يواجه الثقافة اليوم ليس اختلاف الآراء بل اختفاء المسافة التي تسمح للنص بأن يُقرأ بوصفه نصاً، فعندما يصبح كل شيء سياسياً أو أيديولوجياً تفقد اللغة استقلالها ويتراجع الحس الجمالي أمام ضجيج الاصطفافات.
ولهذا فإن القارئ الحقيقي لا يصفق للنص لأنه يوافقه ولا يهاجمه لأنه يخالفه بل يحاكمه أولاً بمعايير الفن والجمال والمعرفة، فالأفكار يمكن أن نختلف حولها أما الجمال فله لغته الخاصة التي لا تعترف بالتحزب ولا بالانفعال العابر، بل تعترف فقط بقدرة النص على أن يكون عملاً جديراً بالقراءة.
Post Views: 3