البرلمانات الحديثة – الحية

0
2560

 حكمت البخاتي …
يكاد يرجع عمر البرلمانات الحديثة الى عصر الأفكار التنويرية في القرن الثامن عشر الميلادي وشهد لها تطور مهم في القرن التاسع عشر الميلادي لتنضج بقوة أكبر في القرن العشرين وكانت برلمانات إنجلترا وفرنسا تعد النماذج المؤسسة للبرلمانات الحديثة والحية ، وتكمن القوة في هذه البرلمانات الحية أنها تأسست وتشكلت على ضوء أفكار الفلاسفة والمفكرين التنويريين مما منحها بعدا تبريريا عميقا وبعدا تاريخيا راسخا بعد ان كانت البرلمانات القديمة تتأسس وتتشكل وفق تقاليد وأعراف سياسية وامبراطورية وكانت تغلب عليها الصفة النخبوية والخصوصية في الشروط التي تؤهل العضو للالتحاق بالبرلمان.
بينما جاءت هوية ووظيفة البرلمانات الحديثة على أسس من أفكار العقد الاجتماعي ونظرياته العديدة التي بدأت في القرن السابع عشر الميلادي مع الإنكليزي توماس هوبز ومواطنه جون لوك والفرنسي جان جاك روسو ، وتتفق تلك النظريات على ان الخروج من الحالة الاصلية للمجتمعات البشرية جاء عبر السلطة المطلقة عند هوبز وعدم ضرورة السلطة المطلقة لكنها السلطة النسبية عند جون لوك وعبر نشوء الملكية الخاصة والتي اقتضت لحمايتها وجود السلطة عند روسو لكنها تتفق على ان السلطة والدولة الناشئة عنها تتمثل بالقوانين التي تصدرها وتحددها وهو ما سيكون له دور أساسي في إرساء هذه الوظيفة التشريعية للبرلمانات التمثيلية الحديثة بعد سقوط الأنظمة الملكية المطلقة في أوربا في القرن التاسع عشر الميلادي.
وبذلك فالبرلمانات الحية تشكل صيغة مباشرة للتعاقد الاجتماعي الأول بين الشعب والسلطة وكانت البداية الأولى التي فرض فيها الشعب ارادته على الملكية المطلقة في السويد في العام 1718 م فقد أجبرها على التنازل عن صلاحياتها لصالح البرلمان وكان التبرير أن الشعب أعلى من الملكة لأنه هو الذي منحها هذه الصلاحيات بعد التعاقد الاجتماعي الأول والمفترض معها ومن حقه ان يسلبها منها وهي تشكل بدايات نظام البرلمانات الحديثة ثم شهدت بريطانيا تحولا مهما في الوظيفة البرلمانية حين مارس تحديد صلاحيات الملك في نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر وفيه اعتبرت الحكومة مسؤولة أمام البرلمان كما هي مسؤولة أمام الملك وهي ترجمة دقيقة للعقد الاجتماعي مع السلطة بعد ان كانت بريطانيا تعودت نظاما برلمانيا غير منتخب وكان يشكله اللوردات والنبلاء منذ القرن الرابع عشر الميلادي ويقوم بمهمة إدارة الدولة مقابل المال الذي يمنحه للملك البريطاني وتبنت فرنسا هذا النظام البرلماني الذي يضع الحكومة أمام مسؤولية مزدوجة أمام البرلمان والرئيس أو الملك للدولة.
وقد حدث تطور مهم في الأفكار التي أنتجتها تاريخية البرلمانات الحديثة – الحية فالملكية المطلقة لم تفهم قديما في الوعي البشري بانها قرينة اللا قانون واللاعدالة وانها تمثل قوة سافرة وغاشمة الا في أعقاب الحركة البرلمانية الحديثة في القرن التاسع عشر والتي أشبعت الفاظ العدالة والقانون بالمعاني الجديدة واكتسبت بذلك مفاهيم جديدة فالعدالة الحديثة وتقنيناتها تعتمد مبدأ الحق والواجب وتقديم فكرة الحق على فكرة الواجب فالحق الذي تمنحه الدولة التي صيغت بالعقد الاجتماعي الى الفرد / المواطن تترتب له أولوية مطلقة ويترتب عليه لاحقا الواجب على الفرد / المواطن .
وقد تبنت البرلمانات الحديثة الحية قانونيا هذه الأولوية للحق على الواجب في كل تشريعاتها الحديثة بينما تأسست الملكية المطلقة على مبدأ القوة السافرة ويحظى الواجب على الفرد / ” المواطن ” في دولها بأولوية لا يترتب عليها بالضرورة مبدأ الحق ، ان معادلة الحق والواجب في مفهوم المواطنة وأولوية الحق في تنظيم العلاقة بين المواطن والدولة ودور البرلمانات الحديثة والحية في إرساء هذه العلاقة بواسطة التشريعات ترسخ القناعة الوطنية والثقافية بان الوظيفة البرلمانية هي صيغة مباشرة في تنفيذ العقد الاجتماعي بين الفرد / المواطن والدولة وهي في الوقت نفسه تشكل وسائل ودلائل البرلمانات الحديثة والحية .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here