فهم ظاهرة الاحتجاج

0
222

د.كريم شغيدل …
في العادة تتحول التظاهرات السلمية إذا ما طال أمدها إلى احتجاجات يشوبها بعض العنف وإضرابات عن العمل وقطع الطرق وتعطيل المنشآت الخدمية، وكل هذا وارد ومحتمل في حال عدم استيعاب الحراكات الشعبية والاستجابة لمطالبها، وقد تتحول الاحتجاجات- لا سمح الله- إلى مواجهات دموية بين المحتجين والسلطات، وهذا ما لا نرجوه ولا نتمناه، وعلى السياسيين أن يتعاملوا مع هذا الحراك بوصفه جزءاً من حسنات الديمقراطية التي أوصلتهم إلى ما هم فيه وليس العكس، بل إن هذا الاحتجاج الشعبي الذي باءت كل محاولات تسييسه بالفشل يعد وثبة حقيقية للحيلولة دون عودة أي نمط من أنماط الاستبداد، وهذه نعمة لا يدركها إلا من يحرص على مستقبل العراق.
واهمٌ من يتصور أن العنف يمكن أن يفض أيّة أزمة في الكون، لقد ولّى زمن الخوف بعد سقوط العديد من الأصنام التي كرست مفاهيم التسلط، كما سقطت معها كل مقولات الترهيب والتقديس، وقد شهد العالم انهيار أعظم المنظومات والإمبراطوريات والدكتاتوريات منذ الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، لم يكن متوقعاً مثلاً انهيار الاتحاد السوفياتي بالبساطة التي تفككت فيه الدول المنضوية فيه أو تحت ظله، وتبدلت أنماط السياسة وأعرافها واستراتيجياتها، تخلفت دول كانت في المقدمة وتقدمت دول لم يكن لها ذكر في التاريخ السياسي، وتحولت المنظومات السياسية من خطابات العواطف والرومانسيات الثورية إلى لغة الأرقام والمنافع، بينما منطقة الشرق الأوسط تعيش بعض أوهام القرون الوسطى بالتسيد والهيمنة باسم الدين أو المذهب، ولا تمتلك سبيلاً لذلك غير إيهام الجموع بالعواطف واستفزاز ما هو بدائي من أنساق البداوية في العقل الجمعي، ولا يزال العنف أسلوب الحياة الأمثل عند طبقات واسعة من مجتمعاتنا.
متى يمكننا أن نتعامل مع الظاهرة كما هي، من دون تأويلات ونوايا مسبقة؟ متى نصبح واقعيين ونفكر بمصلحة الإنسان قبل كل شيء؟ متى تصبح الحياة مقدسة ليعيش فيها الإنسان نعيم ما وهبه الله من خيرات؟ متى نكف عن مصادرة حق الآخرين في العيش بسلام وأمان؟
متى نحسن إدارة شؤوننا بما يحقق العدالة والمساواة على أساس المواطنة لا على أساس المكانة والمنزلة والموقع والمنصب والوراثة والقوة والتسلط؟ ربما هي أحلام، لكنها ليست مستحيلة التحقق، فقد سبقتنا أمم ودول إلى ذلك، والعراق، بصريح العبارة، يمتلك وضعاً مثالياً إذا ما أحسنت إدارته، فهو يمتلك كل مقومات التقدم من ثروات طبيعية وبشرية وكفاءات وتاريخ حضاري وسياسي وإرث ثقافي وسطي متوازن وقدرات كبيرة على النهوض، نحتاج إلى قليل من التروي في فهم ظاهرة الاحتجاج والخروج من حالة التعصب لدى بعض من يعتقدون بأنهم أولياء على مقدرات الدولة والمجتمع، فالاحتجاجات صفَّرت العراق من كل شوائب الاستبداد وتبعاته؛ عليه لا بدَّ أن ندرك الجانب الإيجابي لهذا التحول ونتعامل على أساسه لتصحيح مسار الديمقراطية التي يقر أغلب السياسيين بما بنيت عليه من خلل.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here