الفصل الخامس

0
1281

د.حسين القاصد …
هو فصل يتميز به العراق فقط، وهو أقسى الفصول وأشدها على المواطنين بسبب مزاجه المتطرف جدا، وهو أغرب الفصول لأنّه يشطب فصلين حتى يحقق ذاته، وهو قبل هذا وبعده، فصل عراقي لا يتوافر مثله في أيّة دولة من دول العالم.
لا يختلف اثنان في أنّ أيّام فصل الخريف هي أجمل الأيام في العراق، وأجمل حتى من الربيع الذي سرعان ما تنصهر أيّامه بلهيب الصيف العراقي القاسي، ولعل أجمل ما في الخريف هو بدء العام الدراسي، فيزدهر الصباح بربيع الشباب العراقي و هم يتّجهون نحو مدارسهم وجامعاتهم، فتكون الملامح ربيعا على الرغم من أنّ الفصل هو فصل الخريف.
في سنوات ما بعد النظام السابق، بدأ يتميز هذا الخريف حتى صار فصلا خامسا في بلد يأكل ثلاثةَ أرباع مناخه الصيفُ اللّاهب، ثم يمرّ الشتاء به مرور الشائعات السياسية والأخبار العاجلة!
وقد تسألني، عزيزي القارئ: كيف يكون لديكم فصل خامس من دون كل دول العالم؟ فأقول لك: إنّه فصلٌ سياسيٌ بامتياز، يصل فيه المواطن العراقي حدّ الغليان في عزّ برودته، وقد تشعر بالجمود التام وأنت تعيش سعيره، هو فصلٌ يبدأ بالصراع على إقرار الموازنة بين المكونات العراقية، وهو يبدأ من نهاية شهر أيلول، من كل عام، ولا ينتهي إلّا بعد أنْ يسجل آذار حضوره الواضح.
لكنه، هذا العام، جاء محتدما جدا، إذ لم يحمل لنا حرب إقرار الموازنة فقط، بلِ اندلعت فيه التظاهرات واضطربت الأوضاع في أغلب مدن الوسط والجنوب، واستقالت الحكومة ولم يتجه الطلبة نحو مدارسهم وكلياتهم في بدايته، ليعلن تحنيط الحياة بشكل شبه تام، لا سيّما في تلك المدن التي وصلت فيها الاحتجاجات إلى سقوط ضحايا وتصعيد بقطع الطرق، ثم دخلنا في أزمة تشكيل الحكومة الجديدة، وبين دخول بعض الناشطين من المتظاهرين على خط الترشيح لرئاسة الحكومة، وبين رفض المتظاهرين أيّ مرشح تقدمه الكتل السياسية، فضلا عن إصرار المكونات على حصصها في الحكومة الجديدة متجاهلين ما تسببت به المحاصصة وما آلت إليه حال العراقيين بسببها، صار الوقت يسير مسير السلحفاة على صبر المواطنين الذين ينتظرون انفراج أزمات البلاد، فلا شيء عن ظهور الموازنة لتعلن إنهاء الفصل الذي تتعطل فيه الحياة المالية من تعيينات وقروض وترفيعات، ولا جديد في الأفق ينبئ بحلحلة الأزمة السياسية والانتهاء من أزمة تشكيل الحكومة.
الفصل الخامس، هذا العام، وصل ذروته في تطرفه وغرابته، وهو في طريقه إلى مرفأ آذار ليصل إلى شاطئ الإعلان عن انتهائه.
بعد رحلة طويلة ومعاناة وترقب وخسائر بالأرواح والبنى التحتية، ينتظر العراقيون أنْ يستقر مناخ ساستهم كي تنعم البلاد بشيء من الهدوء والاستقرار السياسي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here