الخيط الرفيع بين الإعلام الحر والإعلام المناوئ

0
63

د.حميد الطرفي …
يحرص المربون دوماً على أن لا يقع الخلط في المفاهيم الأخلاقية لدى طلابهم ، فحين يعززون الثقة بالنفس يحذرون من الغرور ، وحين يزرعون العزة يرسمون ملامح الكبر وهو أكبر الآفات النفسية ، وبقدر ما يحثون على الشجاعة ينهون عن التهور ، وحين يحضون على التدبير في الإنفاق والاقتصاد فيه يذكرون بمرض خطير مبعثه سوء الظن بالله وهو البخل ، فبين بعض مكارم الأخلاق ونقيضاتها خيط رفيع يلتبس لدى المتلقي ، وكثيراً ما يدافع المتهور عن قراراته بأنها شجاعة ، ويدافع المغرور عن غروره بأنه يثق بنفسه ، لكنك حين تذكره وتبسط له في الشرح وتُعيده إلى بواعث قراراته يكتشف أنه ذهب من الفضيلة إلى الرذيلة ، ومن المكارم إلى المساوئ .
وفي عالم السياسة تصر الدول الديمقراطية على مفهوم حرية الإعلام ، وتلغي وزارة الإعلام في حكوماتها ، بل وتمول الإعلام المستقل فآول المستفيدين من المال العام في بريطانيا هي البي بي سي إذ هناك نسبة إجبارية من الضريبة التي يدفعها المواطن البريطاني تُقتطع لهذه المؤسسة الإعلامية غير الحكومية ، إذ يشكو المحافظون اليوم أنها وقفت إلى جانب حزب العمال المعارض في تغطيتها لصفقة ما عرف بـ ( البريكست ) وهي عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي ويريدون منع الإجبار على دفع تلك النسبة ، في حين تدافع ال بي بي سي بأنها وقفت على الحياد بين الحزب الحاكم والمعارض وعرضت للجمهور حجج الفريقين بكل شفافية .
الاعلام المستقل الحر في النظم الديمقراطية يلفت عناية الحكومة إلى كل السلبيات في أداءها ، أين أخفقت ، أين نجحت ، أين ضعفت أجهزتها الرقابية وأين فشلت في أداء مسؤوليتها . الإعلام الحر هو السلطة الرابعة التي تنبه الحكومة من غفلتها ، وتحاسب الحكومة إن هي تغافلت عما هو واجب من واجباتها . الإعلام الحر المستقل يقوِّم المسيرة ، ويعالج خلل الأداء عبر تسليط الضوء على البقع المظلمة ، أو القرارات السرية غير الايجابية ، أو الإخفاقات التي لايراها المواطن فيُحرِج الحكومة ويجبرها على معالجة ذلك .
ولكن هناك خيط رفيع لا يراه إلا المختصون بين الإعلام الحر المستقل والإعلام المناوئ للنظام السياسي برمته وربما للدولة بأركانها وأعمدتها التي تقوم عليها ، الإعلام المناوئ يعني حسب المفاهيم السياسية الحديثة ( الطابور الخامس ) ينخر جسد الدولة ويمزق نسيجها الاجتماعي ، ويعرض السلم الأهلي للخطر ، ويزعزع الاستقرار السياسي ، يؤدي كل ذلك عبر نافذة حرية الإعلام وحرية التعبير وحرية النقد .
الإعلام المناوئ يعني المرجفون في المدينة الذين يتمنون سقوطها بيد الأعداء . حين تضج كل دول العالم غربيها وشرقيها ناميها ومتخلفها ، دول الشمال ودول الجنوب حول وباء عالمي حصد عشرات الالوف من البشر وتتهيأ له دولة تعاني ما تعاني كدولة العراق ، وتتسلل قناة فضائية أو أكثر ومنصة إعلامية أو أكثر بحجة حرية التعبير لتحول هذه الجائحة الخطرة إلى وظيفة سياسية فتروج إلى كسر حظر التجوال ومخالفة التعليمات الصحية عبر حجج لا تمت إلى أصل الوباء من قريب أو بعيد فذلك هو الاعلام المناوئ بعينه وتلك هي خيانة المجتمع العظمى وذلك هو العهر الإعلامي ، والسقوط الأخلاقي والعمل العدائي الذي لن تغفره القوانين .
أي إعلام يعمل تحت ظل أي نظام سياسي في العالم عليه أن يحترم هذا النظام وقواعده العامة فلا يجوز لأي قناة إعلامية مثلاً في أمريكا أو بريطانيا أن تدعم أو تدعو لحزب أو تنظيم سري مادام النظام السياسي يسمح بحرية تشكيل الأحزاب وتعد ذلك مخالفة صريحة لقوانينها ولا ينفع الاعتذار بحرية الاعلام ، ولا يسمح القانون الأمريكي لأي قناة اعلامية أن تستهين أو تسخر أو تنفي ( الهولوكست ) وهي المحارق التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين ، لأن ذلك يعني معاداة السامية ( العنصر اليهودي) وهو جزء من التمييز العنصري الذي ترفضه القواعد العامة في امريكا وعدد من الدول .
على أصحاب منابر الإعلام المناوئ أن يعلموا أن للإعلام الحر حدود ، وأن محاولاتهم لزعزعة الاستقرار الاجتماعي إنما تسيء أول ما تسيء إلى الاعلام الحر نفسه ، ولكن صدق من قال : (درسنا الأول هو أننا في العملية السياسية لكي نفسدها ونطيح بها لا لكي نبنيها ونقويها ) درسك الأول ينفذه طلابك أيها المعلم السيّء ، فهل تتعظ هيئة الاعلام والاتصالات وتُقصي تلك الاوبئة عن مسامع وأبصار العراقيين ؟ نأمل خيراً .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here