ذكرى الجرائم البعثية: مآسي لا تُمحى من ذاكرة الشعب العراقي

0
955

أحلام رهك

إن ذكرى الجرائم التي ارتكبها النظام البعثي الصدامي بحق أبناء الشعب العراقي لا تزال حية في ذاكرة هذا الشعب الذي عانى من ويلات أفظع الجرائم الإنسانية وأكثرها بشاعة في التاريخ الحديث.

تلك الجرائم التي دمرت حياة آلاف العائلات، ولم تقتصر على القتل والدمار فحسب، بل تمادت إلى محو الهوية والكرامة الإنسانية.

قد لا تموت الجرائم، ولكن الزمن كفيل بكشف حجم المعاناة التي حفرها النظام البعثي في وجدان العراقيين، لتظل تلك الذكريات حية في النفوس حتى وإن حاول البعض طمسها.

من بين أبشع تلك الجرائم، كانت مجزرة حلبجة في عام 1988، عندما استخدم النظام البعثي الأسلحة الكيميائية بشكل واسع ضد سكان المدينة.

في ساعات قليلة، تحولت المدينة إلى جحيم من الموت والدمار، حيث أُزهقت أرواح نحو 5000 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال. كما تعرض أكثر من 10,000 آخرين لإصابات جسيمة تسببت في إعاقات دائمة. كانت تلك اللحظات شاهدة على فظاعة آلة الحرب البعثية التي لم تتوانَ في استهداف المدنيين بشكل وحشي لا يتصور.

وما أعقب ذلك كان حملة الأنفال التي دمرت فيها قرى كردية أخرى في شمال العراق، في عملية إبادة جماعية شهدت قتل الآلاف من الأبرياء، وزجّ الآلاف في السجون، وتدمير البنية الاجتماعية والإنسانية لتلك المجتمعات. كانت تلك الحملة جزءًا من سياسة التعريب القسرية التي تبناها النظام البعثي، إذ حاول النظام إلغاء الهوية الكردية بكل الوسائل الوحشية الممكنة.

ولم تكن تلك الجرائم الوحشية الوحيدة في سجل النظام البعثي. فقد كانت المقابر الجماعية التي تم اكتشافها في أعقاب سقوط النظام، واحدة من أفظع الشهادات على الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان. تلك المقابر التي ضمت تحت ترابها آلاف الأجساد لأبرياء قضوا إما برصاص النظام أو في أقبية تعذيب مظلمة، لم يعرفوا حتى متى وأين سقطوا.

أما الانتفاضة الشعبانية عام 1991، التي انطلقت بعد غزو الكويت، فقد كانت حلقة أخرى في سلسلة المآسي. عندما هبّ الشعب العراقي، من شماله إلى جنوبه، مطالبين بالحرية والتغيير، ردَّ النظام البعثي بشكل وحشي على تلك الانتفاضة السلمية، حيث قُتل الآلاف، واعتقل المئات، وعذب العديد ممن حاولوا أن يرفعوا أصواتهم ضد الطغيان. كانت الانتفاضة الشعبانية أداة جديدة في تاريخ العراقيين من أجل الكرامة، لكنها كانت كذلك مأساة عظيمة بقتامة الفشل أمام جبروت النظام البعثي.

وفي إطار سياسات النظام البعثي، لم يكن العلماء العراقيون في مأمن من هذا النظام القمعي، حيث تعرض العديد منهم للاغتيال والتصفية. فقد اغتيل العشرات من العلماء والمفكرين في مجالات مختلفة، سواء في مجال الدين والعلوم أو الهندسة أو الأدب.

كان الهدف من ذلك ليس فقط إقصاء هؤلاء الأفراد عن مسرح الحياة العلمية، بل كان جزءًا من خطة ممنهجة لتدمير الفكر والإبداع في البلاد، وذلك تحت شعار الخوف من “التهديدات” التي يمثلها هؤلاء العلماء للسلطة البعثية.

لقد كانت الجرائم البعثية هي الوجه الآخر للديكتاتورية المطلقة التي قامت على أساس القمع والتسلط على الشعب العراقي دون أدنى رحمة. فظائع تلك الحقبة لم تكن مجرد أفعال عابرة، بل كانت سياسة منظمة تهدف إلى تدمير الروح الإنسانية في الشعب العراقي وتدمير هويته الوطنية، بل وحتى الثقافية.

لكن، رغم كل محاولات التغطية على هذه الجرائم، فإن التاريخ لا ينساها. ذكرى الجرائم التي ارتكبها النظام البعثي تظل حية في وجدان كل عراقي، محفورة في الذاكرة الجماعية لأبناء هذا الشعب. ورغم محاولات البعض لتبرير أو إخفاء تلك الحقائق، فإن الصورة واضحة، والشعب العراقي لن ينسى أولئك الذين عانوا وواجهوا الموت بكل صبر وبطولة.

إن هذه الذكريات، على مرّ السنين، لا تمحوها الأيام، بل تظل تذكر الأجيال الجديدة بأن المعركة ضد الظلم والاستبداد هي معركة مستمرة. فحتى وإن تغيّرت الظروف، تبقى الحقيقة على مرّ الزمن: تلك الجرائم لن تُمحى من الذاكرة، وسيظل الشعب العراقي متمسكًا بحقوقه في العدالة والمحاسبة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here