تجاهل شروط اللعبة الاستراتيجية هو ترف لا يحتمله العراق

0
264


فاضل الحلو

ضعف الانتباه لشروط اللعبة الاستراتيجية في العراق والمنطقة… ثمن باهظ وفاتورة مؤلمة

في عالمٍ تحكمه المصالح وتتقاطع فيه القوى الإقليمية والدولية على طاولة الشطرنج الجيوسياسية، لم يعد كافيًا أن تمتلك الثروات أو الموقع الجغرافي أو التاريخ العريق. ما يحسم مصير الدول في هذا المشهد المعقد هو مدى وعيها بشروط اللعبة الاستراتيجية، وقدرتها على التموضع الذكي في خضم التحولات والتقلبات.

وفي الحالة العراقية، ضعف الانتباه أو التهاون في فهم هذه القواعد لا يمرّ دون كلفة. بل هو خيار باهظ الثمن، تُدفع فواتيره على شكل أزمات سياسية، وانكشاف أمني، وتخبط اقتصادي، وضياع للفرص.

 ما المقصود بـ “شروط اللعبة”؟

اللعبة الاستراتيجية لا تُقصد بها المؤامرة أو النظريات العبثية، بل هي مزيج من القوى الناعمة والخشنة، التحالفات، المواقف المحسوبة، التوازنات، إدارة الوقت، وفهم الاتجاهات الدولية.
الدول الفاعلة تفكر على مدى سنوات، بينما الآخرون يُشغلون شعوبهم باللحظة.

 في العراق.. ما الذي يُظهر غياب هذا الوعي؟

  1. التعامل برد الفعل بدل التخطيط المسبق:
    غالبًا ما تأتي التحركات السياسية والأمنية في العراق بعد وقوع الأزمة، لا قبله، وهو ما يضع البلاد في موقع الدفاع دائمًا.

  2. غياب الرؤية الموحدة في السياسة الخارجية:
    التناقض بين المواقف الرسمية والأصوات السياسية الداخلية أضعف كثيرًا من تموضع العراق إقليميًا، وجعله ساحة تنافس بدل أن يكون لاعبًا مؤثرًا.

  3. عدم الاستثمار في أوراق القوة الوطنية:
    الموقع الجغرافي، الثروات، الشباب، الروابط الحضارية.. كلها أوراق لو أُديرت باستراتيجية، لتحولت إلى أدوات نفوذ لا أدوات ضغط من الخارج.

 الفاتورة… كيف تُدفع؟

  • اقتصاديًا:
    تضيع فرص استثمار ضخمة بسبب اهتزاز البيئة السياسية والأمنية، وتُفرض شروط مجحفة من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

  • أمنيًا:
    يصبح العراق عرضة لتدخلات وتقاطعات وكيانات خارجة عن السيطرة، في غياب سياسة أمن قومي شاملة.

  • سياسيًا:
    تهتزّ ثقة الداخل والخارج بالدولة، وتُهمّش أدوارها في الملفات الكبرى، حتى داخل الإقليم الذي يفترض أنها محور فيه.

  • شعبيًا:
    يفقد المواطن الشعور بالانتماء إلى دولة قوية قادرة، وتنهار ثقته بقدرة بلده على النهوض أو حماية مصالحه.

 ما المطلوب؟

  1. إدارة واعية للسيادة:
    ليست السيادة مجرد رفض التدخلات، بل هي القدرة على إدارة التوازنات دون أن تتحول الدولة إلى تابع أو ساحة.

  2. تشكيل غرفة تفكير استراتيجي وطني:
    تضم نخبًا سياسية وأمنية واقتصادية، تكون مهمتها قراءة المشهد الإقليمي والدولي، وتقديم سيناريوهات مبنية على الواقع.

  3. وضع رؤية استراتيجية طويلة المدى (2030-2040):
    تبني الدولة مؤسساتها ومواقفها وتحالفاتها بناء على رؤية وطنية، لا مصالح فئوية أو استجابة لأحداث آنية.

في الختام:

إن تجاهل شروط اللعبة الاستراتيجية أو الاستخفاف بها، هو ترف لا تحتمله دولة مثل العراق، تقف في قلب منطقة تغلي بالتحولات.
فكل قرار غير محسوب، وكل موقف مرتجل، هو خطوة نحو فاتورة جديدة تُدفع من أرواح الناس، واقتصادهم، وكرامتهم.

إن أوان الانتباه الحقيقي لم يفت بعد.. لكن النافذة تضيق، والتاريخ لا يُمهل الغافلين.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here