
فاضل الحلو
مع اقتراب كل موسم انتخابي في العراق، تتكرر المشاهد ذاتها: لافتات ضخمة، صور مبتسمة، شعارات براقة تُعلن “التغيير”، “الإصلاح”، “الخدمة”، وكأنها مفردات خارجة تواً من معجم الوهم السياسي، لكن المواطن العراقي، الذي عايش على مدى عقدين تجارب متكررة من الوعود غير المنجزة، لم يعد يرى في تلك الشعارات سوى صدى صوتٍ باهتٍ لخطابٍ فقدَ صدقيته.
من “نخدم الشعب” إلى “نحو عراقٍ أفضل”، ومن “محاربة الفساد” إلى “تمكين الشباب”، تعيد الكتل والأحزاب إنتاج ذات المفردات المستهلكة، متجاهلةً أن الوعي الشعبي تجاوز مرحلة الانبهار بالكلمات، فالعراقي اليوم لا ينتظر شعاراً، بل يبحث عن فعلٍ ملموسٍ يُنهي طوابير الفقر والبطالة وسوء الخدمات.
لقد تحوّلت الحملات الانتخابية إلى سباقٍ في التسويق لا في الرؤى. البرامج تُكتب على عجل، بلغةٍ دعائية أكثر منها واقعية، فيما يغيب التخطيط الاقتصادي والنهج الإداري الواضح، المواطن، في المقابل، صار يدرك أن من وعده بالأمس بالعدالة ما زال عاجزاً عن توفير أبسط مقوّمات الحياة، وأن من بشّره بالإصلاح أصبح جزءاً من منظومةٍ تُعيد إنتاج ذاتها.
الإشكالية الحقيقية لا تكمن في ضعف الشعار، بل في غياب المصداقية ، فالشعار مهما بدا جذّاباً، لا قيمة له حين لا يستند إلى تجربةٍ ناجحة أو رؤيةٍ واضحة، لقد فقدت المفردات السياسية في العراق بريقها لأن أصحابها لم يلتزموا بمعانيها، ولأن الواقع ظلّ أقوى من الخطاب.
اليوم، يواجه الساسة العراقيون جمهوراً مختلفاً: شعباً أكثر وعياً، أقلّ انفعالاً، وأكثر تشكيكاً. هذا الشعب لم يعد يحتاج إلى صورٍ ولا كلماتٍ منمّقة، بل إلى مشاريع تُنفَّذ وقرارات تُلمَس. لقد سئم المواطن من “التغيير القادم”، لأنه لم يرَ شيئاً يتغيّر سوى الوجوه والشعارات.
إن الانتخابات المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً، ليس فقط للمرشحين، بل لمدى نضج الوعي الجمعي العراقي، فهل ستدرك القوى السياسية أن زمن الوعود المجانية قد انتهى؟
وهل سيتعلّم الخطاب الانتخابي أن احترام عقل المواطن أهم من تكرار الشعارات؟
الجواب، كما يبدو، أصبح في يد الشارع الذي ملّ الكلام، وينتظر أفعالاً تُعيد الثقة المفقودة بينه وبين من يُفترض أنهم ممثلوه.
Post Views: 259