كاظم محمد الكعبي
في مثل هذا اليوم 23 تشرين الأول 1996، رحل في الشام شاعر العرب الكبير العلّامة الدكتور السيد مصطفى جمال الدين عن عمر بلغ 69 عاماً، غريباً عن وطنه بعد صراع مع المرض، تاركاً أثراً عميقاً في قلوب محبّيه وعارفي فضله.
إنّ استذكار أمثال هذا الرجل الكبير وفاءٌ للعلم والأدب وللعراق، فهو من أولئك الذين جمعوا بين العلم والأدب والخلق الرفيع والوطنية الصادقة، فملك القلوب واقتحمها بلا استئذان.
ولد في قرية «المؤمنين» بقضاء سوق الشيوخ عام 1927، ونشأ في أسرة علمية دينية، فتعلّم في النجف الأشرف على يد العالمين السيد ابو القاسم الخوئي والشيخ محمد أمين زين الدّين، ونال الدكتوراه في الأدب العربي، ليصبح من أبرز شعراء العراق وعلمائه.
شارك في مؤتمرات الأدباء الكبرى ببغداد، وألقى قصائد قوية أشهرها قصيدة حول نكسة حزيران، نالت إعجاب الأدباء العرب ومنهم أنيس منصور.
اضطر لمغادرة العراق عام 1981م بسبب قمع الحريات وتشدد النظام البعثي، الذي أراده من شعراء المديح، لكنه رفض. وتنقل بين الكويت ولندن ثم استقر في سوريا بعد اعتقاله وإخراجه من الكويت.
وصفه آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين قائلاً: «كان السيد مصطفى جمال الدين شاعر العرب الأكبر في هذا العصر، لكن الشعر لم يكن أعظم فضائله، فقد كان عالماً نقيّاً، لم يبتذل علمه ولا جهاده، وهاجر بصمت دون أن يطلب لقباً أو موقعاً. كان شعره غنياً بالإسلام وآلام الأمة وآمالها».
وقد خلّد جمال الدين في شعره مشاعره الوطنية والوجدانية، ولقب بشاعر النخيل المقفّى، ومن أبياته التي تعكس حبه للوطن والحنين إلى بغداد:
بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر إلا ذوت ووريق عودك أخضر
ومن أبياته عن الغربة والحنين:
عودي فقد ضيعت بعدك ذات ونسيت كيف أذوق طعم حياتي
مزج في شعره بين الغزل والقضايا الوطنية والإنسانية، وتعرّف إلى شعراء العراق المعاصرين مثل السياب ونازك والبياتي.
صدر له ديوانه الشهير «الديوان» عام 1995 في بيروت، وخلّد فيه قضايا الوطن والمنفى والإنسان، بلغة فصيحة ومعانٍ صادقة.
كما ترك ذخيرة علمية وأدبية، ومن أهم كتبه: الإيقاع في الشعر العربي، القياس حقيقته وحجيته، والبحث النحوي عند الأصوليين .
توفي في دمشق عام 1996 ودُفن في «مقبرة الغرباء» قرب ضريح الجواهري.
واليوم، بعد تسعةٍ وعشرين عاماً على رحيله، ما زال صوته الشعري والإنساني حاضراً، شاهداً على أن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن الوفاء لأمثاله واجب وطني وأدبي.


























