“وهمُ العزل… حين تتحطم خطط واشنطن على صلابة إيران”

0
7


فاضل الحلو

في خضم التصعيد المتنامي في المنطقة، تتكاثر السرديات والتحليلات التي تحاول استشراف شكل المواجهة المقبلة، ومنها ما يتحدث عن تبنّي وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) خطة تُعرف بـ”الجبنة السويسرية”، تقوم على إحداث ثقوب استراتيجية في الجغرافيا الإيرانية عبر استهداف البنى التحتية الحيوية، من جسور ومنشآت طاقة، بهدف عزل العاصمة طهران تدريجياً، ثم خنق المدن الكبرى، وصولاً إلى السيطرة على جزيرة خرج ذات الأهمية النفطية البالغة.

هذا الطرح، وإن بدا للبعض محكماً من الناحية العسكرية، إلا أنه يغفل عن حقيقة راسخة في تاريخ الصراعات، وهي أن الحروب لا تُحسم فقط بالتفوق التكنولوجي أو الضربات المركزة، بل بإرادة الشعوب وصلابة الجبهات الداخلية. فـإيران، التي خبرت عقوداً من الضغوط والعقوبات، لم تكن يوماً ساحة رخوة يمكن اختراقها بسهولة، بل أثبتت مراراً أن لديها القدرة على امتصاص الصدمات وإعادة تشكيل موازين الردع.

في المقابل، تشير معطيات الميدان إلى أن الجمهورية الإسلامية لم تقف موقف المتفرج، بل أعدّت ما تصفه بـ”المفاجآت الاستراتيجية”، التي قد تعيد رسم مشهد المواجهة بالكامل. فـالحرس الثوري الإيراني، المدعوم بحاضنة شعبية واسعة، يراهن على حرب غير تقليدية، تتجاوز حدود الجغرافيا إلى عمق المصالح، وتُدخل خصومه في معادلة استنزاف طويلة الأمد.

إن الحديث عن “عزل طهران” يبدو نظرياً أكثر منه واقعياً، في ظل شبكة معقدة من القدرات الدفاعية والهجومية التي طورتها إيران خلال السنوات الماضية، فضلاً عن امتداداتها الإقليمية التي تجعل أي مواجهة شاملة محفوفة بتداعيات تتجاوز حدودها الوطنية.

وبين سيناريوهات الضربات المركزة وخطط العزل الجغرافي، تبرز معادلة أكثر تعقيداً: صراع إرادات لا صراع خرائط فقط. فالتاريخ القريب يثبت أن الشعوب التي تمتلك عقيدة القتال والدفاع عن السيادة، قادرة على تحويل التهديدات إلى فرص، وإعادة خصومها “محمولين على الأكتاف” ليس نصراً لهم، بل عبئاً ثقيلاً من الخسائر السياسية والعسكرية.

في المحصلة، تبقى كل الخطط، مهما بدت محكمة، رهينة لحقيقة واحدة: أن الحروب في الشرق الأوسط لا تُدار على الورق فقط، بل تُحسم في ميادين تتداخل فيها السياسة بالعقيدة، والتاريخ بالإرادة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here