مطر العراق… بين خيال “هارب” وحقيقة السماء

0
39


فاضل الحلو

 

في كل مرة تمطر فيها بغزارة على العراق، يظهر تفسير جاهز: هناك من “تحكم بالطقس”. ومؤخرًا، أخذت هذه الرواية منحى أكثر إثارة، عبر ربط الأمطار بما قيل إنه استهداف لمشروع HAARP في الإمارات. قصة تبدو وكأنها فصل من رواية سياسية، لكنها عند التدقيق أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.

المشكلة ليست في تداول مثل هذه الروايات، بل في سرعة تصديقها. فمشروع HAARP، وفق طبيعته العلمية، مخصص لدراسة طبقات عليا من الغلاف الجوي، وليس مصنعًا للأمطار أو غرفة تحكم بالمناخ. والأهم، لا يوجد أصلًا دليل موثق على وجود نسخة منه في الإمارات، ولا على تعرضه لأي ضربة عسكرية.

لكن لماذا إذن تمطر بغزارة؟

الجواب أبسط مما نتصور، وأعقد مما نرغب: نحن أمام تأثيرات متراكمة لـ التغير المناخي، وتقلبات طبيعية في مناخ منطقة عُرفت تاريخيًا بعدم استقرارها، سنوات من الجفاف قد تعقبها موجات مطرية كثيفة، وهذا ليس جديدًا، بل جزء من دورة مناخية طويلة.

صحيح أن بعض الدول تستخدم تقنيات مثل تلقيح السحب، لكنها تبقى محدودة التأثير، ولا يمكنها صناعة منخفض جوي أو تغيير طقس دولة كاملة، الفارق بين العلم والخيال هنا شاسع، لكن الخيال غالبًا أكثر جاذبية.

ما يحدث في الحقيقة هو شيء آخر: نحن نعيش زمن “تسييس الطقس”. كل ظاهرة طبيعية تُقرأ سياسيًا، وكل مطر يصبح رسالة، وكل غيمة تتحول إلى دليل على صراع خفي، إنها ليست حربًا على الأرض فقط، بل أيضًا حرب روايات.

في النهاية، المطر الذي يسقط على العراق لا يحتاج إلى “زر سري” في قاعدة عسكرية، بل إلى فهم أعمق لما يحدث في السماء، وبينما ينشغل البعض بتتبع نظريات المؤامرة، يبقى التحدي الحقيقي في كيفية التكيف مع واقع مناخي يتغير… بصمت، ولكن بثقل واضح.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here