الرئيسية مقالات نواب أم معقبون؟ حين تتحول الوزارات إلى مكاتب خدمات انتخابية

فاضل الحلو
في الأنظمة الديمقراطية الرصينة يُفترض بالنائب أن يكون مشرعاً ورقيباً على أداء السلطة التنفيذية، وأن ينقل هموم المواطنين إلى قبة البرلمان عبر الأدوات الدستورية من استجواب ومساءلة وتشريع، لكن في العراق وبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي نشأ نموذج مختلف للنائب حتى بات كثير من المواطنين يصفون بعض أعضاء البرلمان بأنهم “معقبو معاملات” أكثر من كونهم ممثلين للشعب.
مشهد النائب وهو يتنقل بين الوزارات والهيئات المستقلة حاملاً قوائم التعيينات أو كتب التوصية أو مطالب النقل والترفيع الوظيفي أصبح جزءاً مألوفاً من الحياة السياسية العراقية، ولم يعد نجاح بعض النواب يقاس بعدد القوانين التي شرعوها أو ملفات الفساد التي كشفوها بل بعدد المعاملات التي أنجزوها أو الوظائف التي وفرّوها لناخبيهم.
هذه الظاهرة لم تأتِ من فراغ بل هي نتاج نظام سياسي قائم على المحاصصة الحزبية وتقاسم النفوذ داخل مؤسسات الدولة، فالأحزاب التي تمتلك وزارات وهيئات تعتبرها مناطق نفوذ انتخابي، بينما يسعى النواب إلى استثمار هذا النفوذ لتعزيز قواعدهم الشعبية وضمان إعادة انتخابهم، لذلك تتحول الوزارة من مؤسسة خدمية إلى ساحة تنافس سياسي وانتخابي، وقد ظلت التعيينات والدرجات الخاصة محل جدل سياسي واسع في الحكومات العراقية المتعاقبة بسبب اتهامات بالمحاصصة والتدخلات الحزبية.
المشكلة لا تكمن في مساعدة المواطن أو الدفاع عن حقوقه فهذا جزء من واجب النائب، لكن الخلل يبدأ عندما تصبح العلاقة بين المواطن والنائب قائمة على المنفعة الشخصية بدلاً من المصلحة العامة، فبدلاً من أن يطالب النائب بإصلاح نظام التوظيف وإقرار العدالة في توزيع الفرص، ينشغل بتأمين استثناءات فردية هنا وهناك ما يرسخ ثقافة الوساطة ويضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
الأخطر من ذلك أن بعض الوزارات تتحول إلى ساحات نفوذ متنازع عليها بين الكتل السياسية حيث يتداخل الدور الرقابي بالدور التنفيذي، فيصبح الوزير محكوماً بتوازنات سياسية معقدة ويجد نفسه أمام ضغوط مستمرة من نواب يسعون إلى تثبيت موالين لهم أو تمرير مصالح انتخابية.
وتشير تحليلات عديدة إلى أن الصراع على الحقائب والمناصب داخل الحكومات العراقية غالباً ما يرتبط بالنفوذ داخل مؤسسات الدولة وليس فقط بإدارة الملفات الخدمية.
ومن المفارقات أن المواطن نفسه أصبح جزءاً من هذه المعادلة، فكثير من الناخبين لا يسألون مرشحهم عن برنامجه التشريعي أو رؤيته الاقتصادية بل عن قدرته على توفير وظيفة أو إنجاز معاملة أو الحصول على قطعة أرض، وهكذا تتكرس دائرة مغلقة ينتج فيها المجتمع نواب خدمات، وينتج النواب مجتمعاً يعتمد على الوساطة بدلاً من القانون.
إن بناء دولة المؤسسات يبدأ بإعادة تعريف وظيفة النائب، فالنائب ليس مدير موارد بشرية في وزارة ولا وسيطاً بين المواطن والدائرة الحكومية ولا صاحب مكتب تعقيب معاملات، النائب الحقيقي هو من يصنع القوانين التي تجعل المواطن يحصل على حقه دون الحاجة إلى واسطة ومن يراقب أداء الحكومة بدلاً من أن يصبح جزءاً من شبكات النفوذ داخلها.
ويبقى السؤال المؤجل في العراق: متى يتحول النائب من “معقب معاملات” إلى مشرع ورقيب يمثل الدولة، لا الزبائن الانتخابيين؟
Post Views: 6