إيران لا تموت بموت قائدها

0
17


فاضل الحلو

في تاريخ الصراعات الكبرى، هناك ليالٍ لا تُقاس بالساعات بل بالتحولات التي تتركها في الوعي السياسي والعسكري للعالم، تلك الليلة التي دوت فيها صافرات الإنذار في تل أبيب وامتدت أصداؤها إلى القدس، بدت وكأنها واحدة من تلك اللحظات الفاصلة.

السماء لم تكن مجرد فضاء للطائرات، بل مسرحاً للصواريخ العابرة للقارات، بينما كانت المنطقة كلها تحبس أنفاسها أمام مشهد تصعيد غير مسبوق.

الحديث لم يكن عن جولة قتال محدودة أو تبادل ضربات تقليدي، بل عن موجة صاروخية نسبت إلى إيران، قيل إنها شملت صواريخ بعيدة المدى من طراز خرمشهر، وهي من أكثر الصواريخ الإيرانية إثارة للجدل في الحسابات العسكرية الإقليمية.

صواريخ تعبر السماء ورسائل تتجاوز الميدان

مع الدقائق الأولى للهجوم، أعلنت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية حالة الاستنفار القصوى. صفارات الإنذار ملأت الأحياء، والملاجئ فتحت أبوابها على عجل، بينما تحولت السماء إلى شبكة من الصواريخ الاعتراضية التي تحاول اعتراض المقذوفات القادمة.

الضربة، وفق الروايات المتداولة، لم تكن مجرد هجوم عسكري، بل رسالة استراتيجية. فإيران أرادت القول إن قدرتها على الرد لم تتراجع، وإنها قادرة على نقل المعركة إلى عمق إسرائيل، مهما كانت المسافات أو منظومات الدفاع.

صدمة سياسية في واشنطن

في خضم هذه التطورات، وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه أمام اختبار جديد لهيبة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فالهجوم الصاروخي، إن صحّت رواياته وحجمه، يعكس تحدياً مباشراً لنفوذ واشنطن العسكري في المنطقة، ويطرح تساؤلات صعبة حول حدود الردع الأميركي.

فالقوة الأميركية في الشرق الأوسط طالما استندت إلى حضور بحري وجوي واسع، إضافة إلى تحالفات إقليمية قوية. لكن الهجمات الصاروخية بعيدة المدى تفتح سيناريو مختلفاً: حرباً تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر من المواجهة التقليدية.

إسرائيل بين الدفاع والرد

إسرائيل، التي بنت عقيدتها الأمنية على مبدأ نقل المعركة إلى أرض الخصم، وجدت نفسها أمام معادلة جديدة. فالمسافات لم تعد عائقاً، والردع لم يعد محصوراً بالجبهات القريبة.

في تلك الليلة، بدت المدن الإسرائيلية وكأنها تعيش تجربة مختلفة: حرب تصل مباشرة إلى العمق السكاني والاقتصادي. المطارات، الموانئ، والبنية التحتية الحيوية كلها دخلت دائرة القلق.

مطار مطار بن غوريون، القلب النابض لحركة الطيران في إسرائيل، تحول إلى رمز للارتباك حين أُعلن عن تعليق أو تأخير عدد من الرحلات بسبب الخطر الصاروخي.

ما بعد خامنئي… هل تتغير إيران؟

في خضم الحديث عن المواجهة العسكرية، برز سؤال آخر أكثر عمقاً: ماذا يحدث لإيران بعد رحيل المرشد الأعلى علي خامنئي؟

كثير من المراقبين توقعوا أن يؤدي غياب الرجل الذي قاد إيران لعقود إلى ارتباك في القرار السياسي والعسكري. لكن الخطاب الإيراني الرسمي سعى إلى إرسال رسالة معاكسة تماماً: إيران ليست شخصاً، بل نظاماً سياسياً وعقيدة ثورية ومؤسسات مترابطة.

ومن هنا جاءت العبارة التي تكررت في الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني: إيران لا تموت بموت قائدها.

طائر الفينيق… استعارة سياسية

في الأدبيات السياسية الإيرانية، كثيراً ما تُستخدم صورة طائر الفينيق، الطائر الأسطوري الذي يحترق ثم ينهض من رماده، للدلالة على قدرة الدولة على تجاوز الأزمات.

فإيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، مرت بسلسلة من الحروب والعقوبات والضغوط الدولية، ومع ذلك استطاعت الحفاظ على نظامها السياسي وتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية.

ولهذا يرى كثير من الإيرانيين أن أي ضربة أو خسارة كبيرة لن تكون نهاية المشروع الإيراني، بل بداية مرحلة جديدة منه.

حرب الصواريخ… مستقبل الصراع

الليلة التي امتلأت فيها سماء الشرق الأوسط بالصواريخ قد تكون مجرد مقدمة لمرحلة مختلفة من الصراع في المنطقة. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد على الجيوش الجرارة وحدها، بل على تكنولوجيا الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.

في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس من أطلق الصاروخ، بل من يملك القدرة على الاستمرار في هذا النوع من الحروب الطويلة والمكلفة.

المنطقة على حافة التحول

ما جرى في تلك الليلة لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل إشارة إلى أن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق خطير. فالتوازنات القديمة تهتز، والتحالفات تتغير، والردع التقليدي لم يعد كافياً لضبط الصراع.

بين الصواريخ التي تعبر السماء وصفارات الإنذار التي توقظ المدن، يبقى مستقبل المنطقة مفتوحاً على كل الاحتمالات: من احتواء التصعيد إلى انزلاق أكبر نحو مواجهة إقليمية واسعة.

لكن حقيقة واحدة تبدو واضحة في خضم الضجيج: الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة، مرحلة تُكتب فيها معادلات القوة ليس فقط على طاولة السياسة، بل أيضاً في سماء الليل التي تمزقها الصواريخ.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here