قراءة متأنية لما بعد داعش في العراق

0
1096

د.حميد الطرفي ..

 

 لا تمثل داعش في تقديري الا وجه من وجوه إدارة الصراع المحلي والاقليمي والدولي بعد عام 2003 وأعني أن ما حصل في عام 2003 من احتلال العراق وتغيير النظام فيه وبناء نظام آخر أفرز معطيات جديدة هذه المعطيات لم تكن محل رضا لدى الفاعلين المحليين والاقليميين مما استدعى استخدام كل الأدوات المتاحة في الضغط على النظام السياسي البديل وإن لم يكن للإجهاز عليه وعلى عموم مؤسسات الدولة فلا أقل من إضعافه وإتعابه لإعادة تشكيل النظام بما يناسب الأطراف المعترضة المحلية والإقليمية والدولية .
ولعل من أعقد الإشكالات السياسية هو الصراع القائم بين ايران وروسيا وحزب الله من جانب والولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة من جانب آخر وما دامت تسويات هذا الصراع غائبة فإن النظام السياسي في العراق في قلق وتعثر ، وذلك نابع من صعوبة أن يتمحور العراق بشكل تام مع احد الفريقين من جانب وإمكانية تأثير كلا الفريقين على أوضاعه الداخلية من جانب آخر فصعوبة تمحوره نابع من اسباب عديدة يدركها المتابع للمشهد العراقي واذا ما أضفنا الرغبة الاسرائيلية في عراق ضعيف ووجود أدوات لتنفيذ هذه الرغبة فإن المشكل الأمني سيحتاج لمزيد من الجهود والحكمة .
سيتقلص نفوذ داعش تدريجياً ولكن لن ينتهي بشكل تام ما لم تخرج قوى بديلة وبمسميات جديدة تنوب عنه في ارباك النظام نعم قد لا تكون المجاميع الجديدة بنفس القوة والقدرة ولكنها مؤذية ومستنزفة للقوات العراقية ، ستعاود بعض الخلايا اسلوب المفخخات والعبوات الناسفة في اوساط المدنيين لإيصال رسائل من دواعش السياسة بأن المشكلة لم تُحل وأن الحل الأمني ليس حلاًّ .
في تقديري الشخصي ان القوى التي حققت انجازات كبيرة في مواجهة داعش واعطت بذلك دماء زكية ستُطالِب بمكتسبات سياسية ونصراً سياسياً ولا تكتفي بنصرها العسكري ( كالدخول في الانتخابات والمشاركة بالقرار السياسي وإبداء الرأي في كيفية إدارة المناطق المحررة ) تُرى كيف يتعامل القائد العام للقوات المسلحة ومن معه مع هذه المطالب . سيحصل شرخٌ ما في التحالف الوطني يمكن لملمته فيما بعد .
التصعيد الاخير لإدارة ترامب تجاه ايران ومناغمة السعودية له سيؤدي الى انقسام حاد داخل الحكومة بين من يرى الحياد الايجابي ومن يرى الاصطفاف الى جانب ايران إذا ما حمي الوطيس وباتت الدولتين ( السعودية وايران ) على شفا الحرب . الكفة في التحالف الوطني ستميل الى ايران لما قدمته من مساندة كبيرة في طرد داعش ولما لفريقها المساند من أدلة منطقية تدين السعودية منذ عام 2003 وحتى الان وما قدمته ايران من معونات ملموسة واصطفاف السعودية مع الإرهاب .
أضف إلى ذلك ما تمتلكه ايران من رصيد سياسي في المشهد العراقي وعلاقتها الطيبة مع مجمل التنظيمات السياسية . سيحاول اقليم كردستان الاستفادة المثلى من نتائج المعركة عبر الاحتفاظ بكركوك وبعض المناطق المتنازع عليها مما يؤدي الى احتدام الخلاف السياسي بين الإقليم وحكومة المركز وستختلف القوى السياسية في تحالف القوى والتحالف الوطني وحتى داخل التحالف الكردستاني في التعامل مع قضية استقلال الاقليم وحل قضية المناطق المتنازع عليها .
بالمجمل فإن القضاء على داعش لا ينقلنا الى ما نحلم به مباشرةً من ازدهار ورفاه واستقرار ، ولكنه نصر كبير دفع عنا كارثةً انسانية محققة . من حق العراقيين ان يفخروا ويحتفلوا بهذا النصر الكبير وعليهم مواجهة ظروف جديدة وادوات صراع جديدة تحتاج الى قيادات استثنائية لتجاوزها .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here