هل ثمة إصلاح حقيقي لمشروع الدولة العراقية

0
1316

علي حسن الفواز ….
هل يمكن الحديث عن اصلاح حقيقي لمشروع الدولة الوطنية؟ وهل يمكن العمل على استنهاض واقعي لقوى تلك الدولة،ولمواجهة مظاهر الفشل والفساد والاعطاب التي تمسُّ ملفاتها في السياسة والاقتصاد والاجتماع؟
هذه الاسئلة ليست افتراضية، بل هي تعبير عن الحاجة، وعن الضرورة التي نسعى للتأسي لها، وللتعبير عنها،وللاجتهاد في التعاطي مع أزماتهاالتي تتراكم في الواقع العراقي منذ أكثر من ستة عشر عاما، وبعد مرور أكثر من خمس دورات انتخابية، وبهواجس ديمقراطية انفعالية لا رهان لها سوى صناديق الاقتراع..
مايجري اليوم وبعد أن تحقق النصر الكبير على الارهاب وجماعاته هو البحث عن واقعية بناء مؤسسة الدولة، فهذه الدولة ليست مؤسسة امنية وعسكرية فحسب، بل هي مجال تنظيمي لعمل مؤسسي واسع يشمل التنمية، والتخطيط والتنظيم والتمكين، وبناء الأطر العملياتية الدستورية، والتي يمكنها أن تكفل فاعلية وجود مشروع الدولة، وماهو ساند لها على مستوى الاستثمار الرشيد للثروة الوطنية وحمايتها من التبذير والهدر والاستهلاك غير الموضوعي، وعلى مستوى بناء المؤسسات الاقتصادية والتجارية في سياقها الاستيرادي والتصديري، ولايجاد توازن عقلاني بينهما، وكذلك على مستوى تفعيل الأطر القانونية الرقابية والتنظيمية والحقوقية، والتي تكفل حماية الثروة، وحماية الانسان والحق العام، فضلا عن التوجه الى حوكمة ادارة الدولة، ومواجهة الترهل الكبير في نظامها الاقتصادي والوظيفي، والذي يمثل واحدا من اخطر تحديات التنمية الحقيقية التي تخص توصيف الدول، وتنظيم عمل مؤسساتها..
المؤسسة التشريعية والصراع السياسي
نظام الحكم في العراق نظام برلماني، وهو مايعني وجود قوى سياسية تملك مقاعد حقيقية في البرلمان، ولها القدرة على تشكيل الحكومة، وتخضع حسب الدستور الى رقابتها، وان رئيس الجمهورية يكّلف رئيس هذه القوى السياسية بتشكيل تلك الحكومة، لكن هذه الصورة الدستورية غير موجودة على ارض الواقع، فلم نشهد انبثاق حكومة تملك الصلاحيات الكاملة دون تمرّ عبر صراع سياسي معقد، هو المسؤول عن تأخير تشكيل تلك الحكومة، واختيار رئيسها، واكمال كابينتها الادارية التنفيذية، مثلما هو المسؤول عن ضعف هذه الحكومة، وعدم قدرتها على تقديم برنامجها الحكومي، أو حتى الالتزام به وتنفيذه خلال دورتها..
طبيعة الصراع السياسي في العراق أكثر تعقيدا في الواقع، لأنه يشتبك مع ملفات داخلية وخارجية، ومع اصطفافات طائفية وقومية، وحتى مناطقية، وهو مايجعل التعاطي مع الادارة السياسية، ومع الثروة الوطنية وكأنها مغانم، فلا وجود حقيقي للستراتيجيات الكبرى التي يمكن أن تدير ملفات السياسة والاقتصاد والأمن والاستثمار، ولا فعل حقيقي للوزارات في سياق مواجهة ازمات كبرى مثل الخدمات والكهرباء والتعليم والامن الغذائي والاجتماعي والبطالة والاستيراد، فضلا عن الضعف المهول في القطاع الخاص وغياب أية سياسة حقيقية لمعالجة مشكلاته المعقدة والمنسية، مقابل تضخم بنية الدولة الوظيفية، الى الحدِّ الذي يجعل العراق الذي يملك بيئة زراعية وعلمية وثقافية واحدا من اكثر بلدان العالم استيرادا واستهلاكا، وهي ظاهرة خطيرة على مستوى تضخيم مسارات الصراع السياسي بين الفرقاء والجماعات، وعلى مستوى تعطيل التنمية، وتعريض البلد لكل عوامل العجز والتضخم، وربما فقدان السيطرة على ادارة الثروة..
الاصلاح السياسي والاصلاح الثقافي
الحديث عن اصلاح مشروع الدولة يبدأ من فكرة الاصلاح الثقافي، أي فكرة وعي الحاجة الى الدولة كإطار ضامن للجميع، وكجوهر حقيقي في الدستور، وأن نمو جهاز الدولة يتطلب واقعا اجتماعيا وتعليميا يمنح(نسق الدولة) كما يسميه هابرماز القوة الكافية لدعم نسق الاقتصاد ونسق الاجتماع، حيث تتحول الدولة الى مؤسسة قانونية، وليست رعوية، وأن معالجة مشكلات المجتمع المتراكمة تتسق ومعالجة بناء مؤسساتها وحوكمة ادارتها، حتى تقطع الطريق على الفساد، وتمنع الفاسدين من تسنم اية مسؤولية في ادارة الدولة، وفي ادارة كثير من المشاريع التي تحولت في النهاية الى مشاريع وهمية، أو غير منجزة، وهو خلل كبير في ادارة الدولة، وفي تنظيم الحياة الاقصادية، وفي ايجاد علاقة فاعلة بين المجتمع وبين تلك الدولة.
إن الحاجة الى الاصلاح الثقافي يعني الحاجة الى النقد، والتوضيح، والى العمل الجاد لاصلاح المؤسسات التعليمية والاعلامية، والى تبني سترايجات علمية، وعبر خطط واليات تضمن النجاح، وعلى وفق المعايير العالمية، فما نشهده اليوم من(تضخم) تعليمي يفتقد في أكثر تمظهراته لتلك المعايير، فضلا عن طابعه التجاري، والبعيد عن ايِّ تعالق حقيقي مع آفاق التنمية البشرية، والتنمية المستدامة، ولاي اجراء حقيقي لمعالجة المشكلات العميقة في بنية الدولة، وفي تحسين ادائها، وفي مواجهتها لمشكلات عميقة كالفقر والارهاب الثقافي والامراض الانتقالية، وضعف ادارة المؤسسات على وفق السياقات العلمية والمهنية، وهو ما يتبدى واضحا من خلال تضخم الازمات التي تضعف جميع مؤسساتنا ووزاراتنا من مواجهتها بشكل واقعي وناجز..

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here