سلطة المثقف وسطوة المستبد

0
94

ثائر الربيعي …
يحكى من في أحدى الأزمنة الماضية كان هنالك مثقف ينصح الناس من حوله وينير لهم بصيرتهم ويعرفهم ماهو دورالصواب والخطأ في بناء المجتمع,ويرشدهم الى كيفية اخذ حقوقهم المغتصبة دون المساس والتطاول على بناء منظومة الدولة ومؤسساتها ووزاراتها العامة،فتعالت الأصوات المعاضدة من حوله المؤيدة لما يطرحه من أفكار ورؤى ضد طاغية زمانه ،واصبح يقلب مضجعه ويهز عرشه فليله تحول إلى نهار والنهار انقلب الى ليل ،حتى ان بعض الوزراء تولدت لديهم قناعة بالعصيان وعدم اطاعة بعض الأوامر لأنها تسيء للنفس الإنسانية وللقيمة البشرية ،وتم ارسال مبعوث اليه للتحاور مع الطاغية فكانت هنالك جلسة مغلقة عرضت عليه فيها جميع المغريات الدنيوية من مناصب وقصور وخدم وجواري ومقاطعات فرفض المثقف كل هذه المعطيات وقال له (أنني اعتبر نفسي صاحب رسالة ومبدأ ) ومبادئي لا تسمح لي بذلك في الانزلاق بهذا المشروع الذي يقوم دعائم سطوة حكمك المستبد على المستضعفين ،فوصل الأمر بالحاكم بأن تتم تصفيت المثقف جسدياً بمعنى اصح يقتل وفعلاً أوعز للسياف بأن يقطع رقبته ويفصلها عن جسده،فأشاروا عليه مستشاروه أن قتله سيجعل منه منبراً لكل المناهضين للسلطة وبعدها يتحول من ممارسة انفرادية ضد حكمك الى ظاهرة تدعو الى مقارعة سياسات وممارسات غير منطقية وتعسفية لا تتلائم مع طبيعة وفطرة كرامة الانسان، فالحل الأمثل نفيه خارج البلد بعد ان وصل لطريق مسدود معه ، فكان قرار مؤلم بحقه لأنه زج في بيئة لا تحترم المثقف ولا تعرف اي شيء عن منطق الحوار التفاهم وبالتالي ضل يكابد مع نفسه فهو يغرد خارج السرب وحديث الحكم والموعظة في سوق النحاسين لا يسمع صداه فصوت المطرقة والسندان أقوى وأكثر ايقاعاً على باقي الاصوات،وبعد مرور فترة من الزمن ارسل الحاكم المستبد وفداً حتى يلاحظ ما آلت أليه التجربة المريرة بحقه فوجده منكباً على نفسه منصهراً مع ذاته فاقداً عقله وتحولت حكمه ومواعظه الى حكاية من الزمن الماضي وضل الحاكم الجائر ومن باعة قيمه ومبادئه له يشرعن له الفساد والقتل والترويع بالناس وبدم بارد ففي كل يوم هنالك فتوى تبيح له المحظورات وتسهل اليه الممنوعات ,فعلى مر الزمن والعصور السابقة وحتى عصرنا الحاضر يخشى الطغاة والمستبدين سلطة المثقف التي لاتحدها قوانين وضعية ولا تعليمات تصدرها وزارة او مؤسسة فهي مفتوحة ومتجددة ،وذلك لان المثقف يستهدف احياء الضمائر وأنارتها قبل ان تقع في الطريق المظلم والخطأ ويميط عنهم اللثام فيما يريد المستبد ان يثقفهم على الخرافة والاساطير حتى تسهل السيطرة عليهم .
تزدهر الثقافة وتنمو في مناخات الحرية والاستقرار السياسي والاقتصادي حتى تأخذ دورها الرائد في بناء مجتمع متحضر وهذا يحدث عندما تنظر السلطة السياسية الى المثقف بعين الاحترام والتقدير وتعتبره جزء مهم ومشارك فاعل معها في تحمل المسؤولية وذلك من خلال نشر قيم الولاء للوطن ومفاهيم لغة الحوار مع الاخر الذي يمثل مكونات المجتمع المختلفة على اساس الوصول الى الحقيقة ,وليس بعين الانتقاص في مصادرة فكره وسلب رأيه وذلك باتهامه بتهم شتى وعلى رأسها التآمر وعقد الصلة مع الاجنبي بحجة قلب النظام من خلال تأجيج الراي العام ,وبالتالي هنالك ظاهرة اسمها الانتهازية يعمل بها كل من لا تتوفر لديه قيم ومبادئ ,فهم يعملون لتبرير العقوبات الصارمة بحق المثقف وتخوينه ومباركة البطش به ،ولم تقتصر هذه العقوبات على عصر بعينه،بل حصلت في مختلف مراحل التاريخ الانساني فالصراع هو بين الخير النور الذي يمثله الاصلاح والمصلحين،والشر طريق الظلام الذي يتبناه الفساد والمفسدين لكن النهاية والغلبة لأولئك الذين يرسمون حياة هادئة مطمئنة ومستقرة في الارض بعيدة عن الفوضى والخراب وكما قال تبارك وتعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون ) سيبقى المثقف فكراً يتجدد مع كل زمان ومكان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here