إلماعة الحجامي في تاريخ وأدب قصيدة السجن

0
210

حكمت البخاتي …
يقدم الدكتور والسجين السياسي علي حسين الحجامي في كتابه ( قصائد السجون في الشعر العراقي في النصف الثاني من القرن العشرين ) دراسة أكاديمية وعلمية في أدب السجون ، وقد بدت الدراسة وهي في الأصل اطروحة دكتوراه مستوفية لشروط البحث العلمي – الأكاديمي والتناول المعرفي – الثقافي .

فقد تناولت الدراسة مستويين أساسيين في موضوع قصائد السجون بدأت بمستوى البحث اللغوي والمعجمي في اللفظ والمعنى من القصيدة ثم سعت الى تعريف السجن لفظا ومعنى وتطور دلالاتهما اصطلاحا ومفهوما ، ولا يتوقف الكاتب عند حدود ما تطرحه المصادر اللغوية والمعجمية أو المصادر الأخرى في التعريف والتحديد لا سيما ما يتعلق من معنى بقصيدة السجن بل يعمل على تقييم ونقد تلك التعريفات والمفاهيم وطرح أفكاره الخاصة في إثراء الجانب الدلالي والتداولي مما يزيد من كفاءة الطرح العلمي والثقافي لموضوع قصائد السجون .
|
وحيث تتبلور المعاني وبصيغها المفاهيمية من خلال تطورات تاريخية واجتماعية فان الكاتب يبحث في جذور السجن التاريخية منذ العصر الجاهلي ومرورا بالاسلامي الراشدي والأموي والعباسي وصولا الى العصر الحديث في الملكي والجمهوري ، ويؤشر في مطاوي تاريخ السجون أن قصائد السجون لم تدخل في اهتمامات الدارسين الحديثين لأدبيتها أو للصورة الشعرية التي تزخربها بل لتاريخيتها وما تحمله من دلالات توثيقية تاريخية مما أثّر من وجهة نظر الكاتب في الاهتمام الدراسي والنقدي في تناول قصيدة السجن من زاوية ( الموضوع ، المعنى ) وليس ( الموضوع ، الدلالة ) الذي ينهجه الكاتب ويبني مقولته وفق منطق الدلالة كبناء أو موضوع شعري متميز لقصيدة السجن لا سيما السياسي منه ويعمل الكاتب على استنطاق النص – قصيدة السجن للكشف عن عن موضوعها ليس الشعري فحسب بل الواقعي – السجن بذاته وهنا تكمن قوة الاهتمام بالدلالة .
ويكشف الكاتب في تحليلاته النقدية عن ثنائية تتركب في تناقض كينوني مشروط في قصيدة السجن السياسية فالظالم والمظلوم والحياة والموت والسيد والعبد تحكم كينونة هذه القصيدة في الدلالة وهي تناقضات تنتج عنها الثورة التي تروج لها وتؤلب عليها قصيدة السجن السياسية التي تستند بنية اللغة فيها وفق الكاتب الى ألفاظ ( الحزن والطبيعة والسياسة ) وهي المميزات اللفظية لقصيدة السجن السياسية وفيها تتشكل قواعد الدلالة في ما تبتغي طرحه وتناوله هذه القصيدة فالحزن يبعث على الرفض والطبيعة تبعث على التجديد والسياسة تبعث على التغيير وهي أقانيم الهدف الذي تضعه القصيدة السياسية نصب ريادتها .
ثم يتنزل الكاتب عميقا في تحليله لقصيدة السجن كاشفا عن مستويات الأداء اللغوي فيها من استعمالات الموروث في اللغة الأدبية الى السهولة اللغوية المقصودة في قصائد السجون السياسية .
وبالقدر الذي يهمنا من قصائد السجون هي قصيدة السجن السيلسية إلا ان الكاتب يتوسع في استيفاء قصائد السجون بعناصرها وتشكيلها لصورها الفنية ودور الاستعارة والكناية والرمز والاسطورة كمضامين بلاغية وأشكال بيانية تنتج نصا أدبيا – شعريا مفعما بحيوية الصورة ويتناول الكاتب بناء قصيدة السجن من خلال القناع والمفارقة وانعكاس رؤية الشاعر من خلالهما على النص – القصيدة وأخيرا ينتهي الكاتب الى تناول أثر الايقاع في المعنى المتوشح عن قصيدة السجن مشبرا الى أن أغلب قصائد السجون جاءت على نمط قصيدة التفعيلة وطبيعة الأوزان وقد هيمنت على قصائد السجون ويشير الى القصيدة – النثر وهو يعمد الى إحصاءات نسبية في هذه القصائد التي نظمت على البحور المعروفة في الشعر العربي .
وقد بذل الكاتب جهدا كبيرا في جدولة دواوين الشعراء العراقيين من السجناء السياسيين وغيرهم التي حوت قصيدة وموضوع السجن والدواوين التي خلت من هذا الموضوع الشعري رغم أن أصحابها من السجناء السياسيين .
وكم نتمنى أن يدرج الكاتب الكتور والسجين السياسي الحجامي قصائد السجناء السياسيين الذين رافقهم وقضى سنوات ليست بالقصيرة معهم في سجن الأحكام الخاصة في أبو غريب تحت وطأة حكم الدكتاتور المقبور ، وأن يوثقها كتابة ونشرا حرصا عليها من الضياع ونسيان الأيام وهي لازالت حبيسة الحفظ الشفوي للسجناء السياسيين في عقد الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين .
وأخيرا فالكتاب إلماعة في تاريخ وأدب قصيدة السجن السياسية وهو شاهد على إبداع عراقي في مجال خاص من الكتابة والنقد الأدبي وهو ما حدا بمؤسسة السجناء والمعتقلين السياسيين الى طبعه ونشره ضمن السلسلة الذهبية لأدب السجون التي أصدرتها المؤسسة برعاية خاصة من لدنها .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here