أفكار بصوتٍ عالٍ: آشور الإساس والحقيقة الغائبة للإسم والمعنى

0
333

دانيال سليفو بتازو …
يؤكد المختصون بالشأن الحضاري والتاريخ، تميُّز الفرد النهريني العراقي منذ بداية وجودهُ بالإبتكار، وبأنه أول من أنتج طاقة إيجابية إنسانية خلاّقة تتصدى للتساؤلات والتأملات الناتجة عن التحديات التي تجابه الحياة وإشكالاتها، وعن الاسرار المحيطة بالإنسان والمخلوقات من كل جانب وعن أصل الكون والخالق والحياة والموت والبعث والخلود، ولم يقف العراقي الوارث لحضارة سومر وبابل وآشور أمام ظواهر الطبيعة راضخاً أو مستسلماً، بل إنطلق مُبتكراً ومُخترعاً ومُكتشفاً ومؤسساً قواعداً رصينة ومثمرة لا زالت متفاعلة ومؤثرة تقرر والى حد بعيد مصير الإنسان ومستقبله من أجل حياة أمينة ومستقرة وسعيدة لبنى البشر. ولما كانت الحضارة تُشبّه بالطاقة الإنسانية، فإن طاقة حضارة العراق لا تُفنى ولا تُستحدث من العدم، ولكنها تتحّول وتتغيّر وتنتشر ويشع نورها بحسب المكان والزمان، ومن الممكن متابعتها ورسم مساراتها الحقيقية، وإكتشاف وتسجيل ما لم يتم تدوينه. ولكن كل ما نحتاجة هو إرتداء عباءة التجرُد الواقيّة من المواقف التقليدية البالية الجامدة السرطانية المُقيّدة لأعضاء المجتمع، ثم الإنطلاق وبشجاعة لحمل سيف الحقيقة ومشعل النور.
1) أسرار الأعداد والأرقام
منذ البواكير الأولى لنشوء الوعي عند التجمعات البشرية الأولى، وبداية الأبجدية وعلم الحساب، إعتاد الكهنة ورجال الدين والمعتقدات الغيبية على التفاعل والتعامل مع اسرار الأعداد والإرقام وعلاقاتها العضوية بالحروف والكلمات، وتم ذلك من خلال مراقبة وتدوين جداول لحركة النجوم والأبراج لخلق مفاهيم دينية وثقافية فكرية، وذلك بإمتداد الحضارات المتعاقبة على أرض عراق بيت نهرين ( سومر وبابل وآشور). فتم تدوين العبارات والأسماء والروايات بما ينسجم ويتناظر مع مرادفاتها من القيم العددية والرقمية ، وذلك وفق منهج تراتبي متفق عليه فلكياً ومحدود التداول لسريتهُ ( أسرار السماء )، فتم الأوقات المناسبة للحرب والسلم والبناء والزراعة والري للحفاظ وتطوير التنمية والرخاء، وعلى الأمن والسلامة ومصير شعوبها، فتم تداوله بين الخاصة فقط من ( الكهنة والسحرة والمُنجمين )، فإذا كانت الكتابة شكلت ثورة في الوعي الإنساني، فانها تحولت بعد زمن من أداة بإيدي النُخب الملكية والكهنوتية والحاكمة الى كل الشرائح ومنها البسيطة، وبعدها من جيل الى آخر. ونشأت علاقة تأسيسية وثيقة بين الأرقام والأحرف وتم وضع لكل حرف من الأبجدية الأرامية- السوريانية والعبرية وبعدها العربية (حساب الجُمل ) قيمة عددية بحسب موقعها في الأبجدية :
ܐ – 1 ܒ- 2 ܓ- 3 ܕ- 4 ܗ- 5 ܘ- 6 … وهكذا. ومن الأرامية أُبتكر إسم مُقدس للكهنة يساوي الرقم الكامل 60 في النظام الستيني. وإختير إسماً مقدساً للكهنة المُنجمين مثلاً : كلدو ܟ+ ܠ+ ܕ + ܘ = 20+30+ 4+ 6 = 60
وإعتقد القدماء بأن حصيلة عملية جمع أعداد الإسم دلالة على مصير ومستقبل صاحب الإسم و إختيار قدرهُ بين الخير والشر !. بعد ( تبصير الطالع ) وكشف المعاني الخفيّة المقترنة مع الكلمات عددياً لِسبر أسرار الكون وحركة النجوم والأبراج وخواصها ، وصفات ومعنى الخلق والخالق والتواصل معه والإستماع الى وصاياه وأوامرة ونواهيه. وتقول مرگريت روتن في كتابها : تاريخ بابل – ص 112 ( قدم لنا الملك سرگون في خرسباد الإشارة التالية: جعلت طول السور 16283 ذراعاً كبيراً وهذا العدد هو قيمة إسمي العددية ). إنتهى. وهذا العدد لسور دورشروكين كان من أسرار الدولة التي ينبغي ان يبقى سرياً ولا يتم نشره وتعميمه والإفصاح عنه لئلا يصل الى الأعداء فيستخدموه كثغرة ونقطة ضعف !، بحسب مفاهيم ومتطلبات تلك العصور المؤسسة للحضارت والعقائد الإنسانية اللاحقة، فظهر تأثيرها على جميع العقائد الوضعية والسماوية.
إذا عدنا إلى سفر الرؤيا 13 من الكتاب المقدس، نجد الرسول يوخنا مُستخدماُ الرقم أو الأعداد بدلاً من الإسم فيذكر وحشاً يصنع آيات ليضلّ الساكنين على الأرض. ويقول: “لا يقدر أحدٌ أن يشتري أو يبيع إلا مَن له السمة أو اسم الوحش أو عدد اسمه” (رؤيا 13: 17). ويضيف قائلاً: “هنا الحكمة: مَن له فهمٌ فليحسب عدد الوحش، فإنه عدد إنسان، وعدده ستمئة وستة وستون 666” (رؤيا 17:18 ). ومن الجدير ذكره إن الحديث هنا يدور عن القصص والحقائق والعِبر التاريخية والمادية وليس عن المروّيات والنصوص المقدسة ولا عن المواقف الإيمانية اللاهوتية.
2) القاعدة أوالنظام العددي الستيني والنظام العُشري
ܛܲܟ݂ܣܵܐ ܥܸܣܪܢܵܝܵܐ ܘ݂ ܐܸܫܬܝ݂ܢܵܝܵܐ
كان النظام المُعتمد في العد عند السومريين والبابلين والآشوريين يُسمى بالنظام الستيني, ويُعبر عن أجزاء الرقم 60 ومضاعفاته، وهي أرقام صحيحة عند إجراء العمليات الحسابية. والنظام الستيني يشكل أول بناء رياضي إنطلق منه الكهنة والمنجمين وأهل الإختصاص حينذاك في تفسير وفهم الكون والحياة ومعانى القيم الروحية وحاجات الناس وتنظيم شؤونهم . وسُميّ أيضاُ بالنظام العُشري الستيني، بإعتبار العشرات هي من أجزاءه، فالرقم الكامل الستون يتألف في حقيقته من ستة عشرات وهكذا.
والنظام العددي الثاني المعروف على شكل أوسع هو النظام العُشري، ويعتمد إبتداءاً على إستخدام أصابع اليد لدى الجميع لبساطتها وإرتباطها باليدين عند إجراء العمليات الحسابية الرياضية لدى الإنسان الأول والشعوب البدائية جميعها. ومن الجدير بالمُلاحظه هو بقاء إستخدام النظامين ( الستيني والعشري) في الأطوال والمسافات وغيرها ( الإنج والسنتمتر). وكذلك في الألعاب وأدوات اللهو ذات الأصول القديمة.
3) إقتفاء أثر الأعداد في الأسماء والكلمات والآيات المقدسة
النظام العددي العُشري
يمكن متابعة ورصد أسم الخالق وعلاقته باللفظ المتداول منذ عصر التدوين لغوياً وعلاقته بالأرقام، من خلال قراءة التوراة والإنجيل. إذ نقرأ قي سفر إشعيا : أنا هو. أنا الأول والأخر، وفي سفر الرؤيا يقول ربنا السيد يسوع المسيح : أنا هو الألف والياء، الأول والآخر، البداية والنهاية . ويكرر هذا عدة مرات .
الرقم 1 (الواحد ) وكما هو معلوم في الاعداد أو الأرقام هو الاول في، وبالسوريانية ( ܚܕ̄ܐ – خدا ) وهو واحد مفرد. والياء هو الرقم10 (عشرة )، ( عسرا- ܥܸܣܪܵܐ ). بمعنى ان الياء (ܝ – يود ) في النظام العُشري إستُعمل كالآخر أو النهاية بالنسبة للبشرية طبعاً. ومن جانب آخر نجد المسلمين إستخدموا كلمة الواحد للدلالة على الله، وكلمة (أحد ) في الإسلام من المحتمل إن يكون أصلها السُرياني ( اْخيد- ܐܲܚܝ݂ܕ ) والتي تعني ضابط الكل والمتولي. ونسمع ما يشابهها عند الأكراد والفُرث ( الفرس ) خُدا – خُدايا، وحتى السيخ يطلقون على على سلسلة أنبيائهم المعصومين كلمة (واهي گورو- ها ) القريبة من ( واحد كبير أو گوورا – ܓܲܒܼܪܵܐ ).. كما إننا نستخدم كلمة ( قدامايا- ܩܲܕ̄ܡܵܝܵܐ ) بمعنى الأول والقديم ورئيس القوم (العالم )، بمفهوم يربط الماضي مع المستقبل والأول بالآخر والقديم بالجديد !. ونلاحظ إن إسم سيدنا المسيح يبدأ بالحرفين الألف والياء أو الرقمين 1 و 10 ( الأول والآخر- البداية والنهاية ) بحسب النظام العددي العُشري، فيُكتب إيشو-ع وبالسُريانية ( ܐܝ݂ܫܘ̇ܥ )، ويبدو ان يسوع وعيسى إشتُق منها.
النظام العددي الستيني
بناء القاعدة الستينية ( وبمعانيها وخصائصها الفكرية المتنوعة) يُعّد أول نظام رياضي توصل اليها الإنسان الرافديني وتفوُق في الأهمية على النظام العُشري. ولما كان الرقم 1 و 10 في النظام العشري يمثل الأول والآخر، فان الواحد 1 و الـ60 في الأرقام القديمة من النظام الستيني في سومر وبابل وآشور إختصر المفهوم بكلمة واحدة للرقم 1 وهو: أش (رقم متكامل ) وهو متناغم ومتساوق مع الأعداد 3 أيش و 6 آش ، وهذه الأرقام مع الرقم 9 ( إيلي- مو- ܐܝܠܝ – الموجود ) ومرادفاتها من الأسماء هي الأرقام المعتمدة والمُطبقة في تفسير تأسيس ونشوء الكون بحسب المفاهيم الأسطورية القديمة، وأحياناً كثيرة تتبادل الأدوار ويتضائل دور وقوة بعض الالهة الصغار وتسقط ، مثل إيل (ܐܝܠܗ- ܐܝܠܐ ) وان كان مصدراً لله الا إن معناه شاع وإرتبط بالملائكة، مثل (گورائيل- ميخائيل- عزرائيل)، بحسب المكان والزمان وصراع الشعوب وثقافاتها ولغاتها، إضافة الى قناعات الكهنة والحكام والظروف السياسية والعسكرية والإقتصادية والتغيرات الديمغرافية.
الرقم واحد: أش :- ܐܸܣܵـܐ او ܐܵܫܫ ( أُس – أساس – يؤسس )، عبّرَ وكوّن إسماً مُقدساً وبالغ السرية والعظمة للخالق في السماء، ولم يُطلق في الماضي على أحد من المخلوقات وبضمنهم الملوك، بل أُستُعيضت عنه باسماء تُمثل أرقاماً من أجزاء الرقم 60 . فآنو يحمل الرقم 60 وأنليل: 50 وأيا: 40 وعشتار إبنة آنو: 15 وهكذا، وهذه آلهة نزلت وخاطبت وتعاملت مع البشر بالمباشر، ودونت قصصها كأساطير تُتلى في العبادات والشعائر الدينية. ولكن ملوك بيت نهرين لم يكونوا آلهه، بل كانوا أنصاف الآلهه خصوصاً ما قبل الطوفان، وكانوا أبناءاً لله وممثليه ومخلوقين وصادرين عنه في مهمات خلاصّية معلومة!. ولم تُعرض الإدعاءات بالإلوهية من قبل ملوك سومر وبابل وآشور مثلما فعل فراعنة مصـر.
وبالتالي فأن أسماء ملوك آشور إشتُقت من إسم وعدد الواحد الخالق: أش وإرتبط به إيمانياً، وصادراً إنه كعصا ويد الله الموثوقة لتلمذّة الشعوب. وكما في الكتب المقدسة، إرتقى أبناء نينوى الى درجة إيمانية أعلى في التوراة ( سفر إشعيا )، وكذلك بعد الإيمان بالرسالة الآلهية ليونان النبي في التوراة وقيامهم بالصلاة والصوم والتوبة. إضافة الى إعتبارهم مثالاً يُحتذى به في الإنجيل: متى 12:41 رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه، لأنهم تابوا بمناداة يونان، وهوذا أعظم من يونان.
وقبل كل ذلك كان الملك آشوربانيبال يقول في صلاته الى الالهة شمش وفيها التواضع والخشوع :- أنا آشوربانيبال عبدك الذي أمرت بتعينه ملكاً لدى ظهورك في حلم .. انت نورالآلهة العظام، نورالأرض الذي يضيئ أقطار العالم.
الرقم ثلاثة: أيش :- بإضافة حرف الألف ܐ في نهاية اسم الرقم ( أيش- ا) ܐܝܫܐ كما في أغلب الأسماء، كانت النتيجة ( أيشا )، وهذا حسب اللغة الآرامية- السوريانية الشرقية في العراق. أما إذا أضفنا حرف الواو ܘ ( أيش- و)، كانت النتيجة (أيشو ) ܐܝܫܘ-ܥ كما في أغلب الأسماء باللهجة السوريانية الغربية في سوريا ولبنان. وهذا الإسم أيشو- مشيخا وكما هو معلوم إسم الله المتجسد ( أقنوم الإبن- عيسى المسيح ).
الرقم سته: آش:- ܐܵܫ : الفرق الضئيل والطفيف جداً بين كلمة الواحد والثلاثة والستة (أش و أيش وآش ) في النظام الستيني، يدل على تشابه الخصائص والمعاني بين كلمات الأرقام، فالخالق الواحد 1 السرمدي أنشأ وفوّض المعاني والمُميزات العظيمة للكلمات والمعاني لأسماء الأرقام الأخرى (3- 6- 9 ).
لذا فإن مصدر إسم آشور هو ناتج إضافة ( الواحد أش + إبنه أو خليفته المخلوق على الأرض ). فمن خلال تتبُع قصة أبونا إبراهيم وخروجه من أور الكلدانيين (اور الكسديم في بعض المصادر ). نحصل على إجوبة مُقنعة وحازمة. فإسم إبراهيم ( أوراهيم بالسوريانية- ܐܒ݂ܪ- ܗܝܡ) تتألف من مقطعين وهما: (أورا- هيم). وتعني ابن الرحيم. وفي دراسات عديدة للأديان كانت لكلمة الرحمن ( ܪܚܡܵܢܵܐ ) مدىً واسع من الإنتشار. وكان المعنى الحقيقي لإسم أشور كإله هو خليفة الله وعصاه والمحكوم بأوامره، وهو (أش- برا) أي أشورا و ( ܐܫ- ܒ݂ܪܐ ) وبالتالي أشور ( ܐܫܘܪ).
مراجع وملاحظات
1- تاريخ بابل : مرگريت روتن.
2- قصة الأرقام عبر حضارات الشرق القديم: موسى ديب الخوري.
3- الكتاب المقدس: سفرإشعيا ورؤيا يوخنا اللاهوتي.
4- الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور: جورج كونتينو.
5- قراءات لأفكار العالم الكبير نيكولا تيسلا. Nikola Tesla: The secret behind the numbers 3, 6 and 9 revealed

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here