رحلة ألم في غياب الوطن

0
472


د.طالب محمد كريم

عند الغوص في تاريخ بحر الدم في العراق نستشف رحلة الالم التي تركت صور عديدة تشخص مفهوم الانسان المركب، المتناقض في تركيبته الادمية.

هذه اللوحة التي تتكلم عن قصة المواطن المأزوم بحاضره، والحاضر بحمولة الماضي، ومجهول المستقبل، تقسيمات الزمن عنده هي واحدة من حيث نكهة العذابات التي يمرّ بها.

ماذا تركت الدولة الصدامية الدكتاتورية من ذاكرة غليظة ممتلئة حد الانفجار ، انسان مشطور بعاطفته التي سكنت المدافن لعلها تخفف عنه وطأة الم الفراق من ام عجوز فقدت اولادها او شيخ هرم، ودع اسرته او فتاة صبية طلقت العشق عند زنزانة الجلاد الاحمر.

هي مسيرة طويلة تتراءى خلف جثث القتلى والضحايا والقرى المهدمة والغابات والمزارع المحترقة. ليكبر ذلك الطفل الذي ولد في الصحارى وعاش على حليب النوق العابرة ، ثم يدخل المدرسة البعيدة عن الجدران العالية من حدود الوطن ليتعلّمَ كَيفَ قَتلَ الدكتاتور مقدس المواطنة.

وهي ثنائية تتصارع فيما بينها منذ القدم وتصور نفسها على انها الحقيقة التي جاءت لتخدم الانسان وتخلصه من رحلة العذاب والالم من خلال دولة ابتكرها العقل الانساني ليدفع التاريخ نحو حركة التقدم والاسمى.

حاولت الدولة الدكتاتورية ان تصور مؤسساتها وخطابها على انها المنطق السياسي الصائب الذي يبني العراق ويفرض معادلة الامن والسلام ويوفر حدود من الرفاهية الاجتماعية والعدل والمساواة.

ليس جديدا مثل هذا الطرح ، بل ربما نستطيع القول ان هذه الاطروحة هي البيان المقدس لكل الانظمة التي جاءت في التاريخ. يعني هذا لابد ان نتوجه الى المعيار والقواعد التي نستطيع من خلالها ان نطلق حكم قيمة على المقولات التي طرحتها دولة الاستبداد الآسن.

وفي تفحص الوقائع العراقية انذاك واختبارها وفق اجراء المقارنة والتقابل واخضاع مقولاتهم ( الدولة المستبدة ) نجد انها استطاعت ان تحصد مئات الالاف من القتلى والمشردين الذين لم تستوعبهم فكرة الدولة ولم تحتضنهم حدود الوطن.

قصص العذابات متعددة المشارب ومتنوعة الطعوم الا انها تدور رحاها على ارض واحدة.

بعد كل ذلك وهذه الذاكرة البعيدة القريبة التي تعيش في بيوتنا ومعابدنا وفي كل طريق من شوارع المدينة ، كانها اعلان دائم الحضور في وجدان الشرفاء، كيف يمكن ان نعيد هذا العراقي وندمجه في مجتمعه الأم ؟

وعلى اثر هذه الاجابة التي تعيد بنا الاطلاع على تجارب تاريخية عاشتها الدول والمجتمعات من قتل جماعي وتهجير قسري ( الهولوكست – جنوب افريقيا – راوندا )، نجد ان الموضوع لابد من ان تسبقه مقدمات راكزة تعيد شعور الاطمئنان والانسانية لكل مواطن عراقي كان ضحية لنظام دكتاتوري وعنوان شمولي.

وقبل البدء باتخاذ قرارات اجرائية تعمل على جبر الضرر وازالة الاثار السيئة عن مكونات اجتماعية ابعدت عن دورها المركزي في صناعة دولة قوية تحترم الانسان وتحفظ كرامته، لسبب بسيط هو عدم الاندماج الايدلوجي لفكرة سياسية او قبول الاخضاع لسلوك سلطوي يجسد العنف والكراهية ويعمل على ادامة الازمات لا افولها.

يفترض ان تهيأ الحاضنة الاجتماعية لقبول مقولات التسامح والتعايش السلمي المشترك الذي يبنى على اسس وادوات معاصرة تمارسها الدول والانظمة الديمقراطية، في سبيل ادماج جيل جديد هو الحد الوسط بين جيل العذابات والالم وجيل الحرية والتعبير عن الراي والسلم الاهلي والأمن الاجتماعي.

هذا يعني ان تعزيز قيم التسامح لا تقل اهمية عن الاجراءات الدستورية والقانونية التي تعمل على انتاج منظومة سياسية وهيكلية ادارية تمنع اعادة هذه الممارسات في وقت ما.

هذا يعني ان المسؤولية الاخلاقية التي تقع على الاجيال اللاحقة ( اعني التي لم تعش زمن الدكتاتورية ) لا تقل عن الجيل الذي كان تحت مطرقة الدكتاتور وادواته الاجرامية هذا الجيل الذي كان مادة يحاول ان يطوعه لرغباته التي لم تقف عند نقطة محددة ومكان بعينه او زمن معين.

هذه الجرائم الفاضحة لحقبة ونظام سياسي حكومي مأزوم هي كفيلة ان تثقف شبابنا الواعي وتعده نحو ابتكار برامج فكرية تنطق الاحكام وفق مبادئ حقوق الانسان ومفهوم المواطن ومسؤولية النظام السياسي تجاه الشعب في حفظ كرامة المواطن وتقديم الحقوق وتقليل مشكلاته التي تثكل عليه صعوبات مواجهة الحياة.

الجيل المؤسس على ثقافة نصرة المظلوم ومخاصمة الظالم بعبارة الامام علي “عليه السلام” اي الاحتكام الى القوانين المجردة بعيدة عن الانتماءات الايديولوجية والثقافية والهوياتية وان يكون الماضي لازمة عاطفية تذكرنا في كل لحظة بقوافل الشهداء والضحايا والسجناء الذين ضربوا اسمى العناوين في الجهاد والتضحية وحب الوطن والتعايش السلمي والايثار.

وما نعيشه في واقعنا العراقي الراهن، ماهي الاّ شذرات مباركة من عطاءهم الثري.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here