
فاضل الحلو
أُعلن مؤخراً عن إطلاق خدمة الإنترنت المجاني في بعض مناطق العراق وخصوصا المناطق العامة برعاية وزير الاتصالات، وقد يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها مبادرة خدمية تهدف إلى توفير بعض التسهيلات للمواطنين ورواد الأماكن العامة، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل هذا ما ينتظره المواطن العراقي من وزارة بحجم وزارة الاتصالات؟
لا شك أن توفير خدمات مجانية في الأماكن العامة يُعد أمراً إيجابياً في حد ذاته، لكن المشكلة تكمن في حجم التحديات التي يواجهها المواطن مقارنة بحجم الإنجاز المعلن، فالمواطن العراقي الذي يعاني من البطالة وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات الأساسية وتراجع البنى التحتية، لا يرى في خدمة الإنترنت المجاني حلاً لمشكلاته اليومية أو استجابة حقيقية لأولوياته الملحة.
إن نجاح أي مؤسسة حكومية لا يُقاس بعدد الفعاليات الإعلامية أو حجم الدعاية المصاحبة للمشاريع الصغيرة، بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، فوزارة الاتصالات مطالبة اليوم بتطوير البنية التحتية الرقمية وتحسين جودة خدمات الإنترنت وتوسيع شبكات الألياف الضوئية وخفض كلفة الخدمات ودعم التحول الرقمي الذي يسهم في تسهيل معاملات المواطنين وتقليل الروتين والفساد الإداري.
كما أن المواطن يتطلع إلى مشاريع استراتيجية تخلق فرص عمل وتدعم الاقتصاد الرقمي وتربط العراق بالتطور التكنولوجي العالمي، لا إلى مبادرات محدودة التأثير يتم تقديمها على أنها إنجازات استثنائية.
فالفجوة بين ما يُعلن وما ينتظره الشارع العراقي أصبحت واسعة، وهو ما يفسر حالة التشكيك التي ترافق الكثير من الحملات الإعلامية الحكومية.
المشكلة ليست في مشروع الإنترنت المجاني بحد ذاته، بل في تقديمه وكأنه إنجاز يوازي حجم التحديات التي يعيشها البلد، فحين تكون الأولويات الكبرى ما زالت تبحث عن حلول حقيقية، فإن التركيز الإعلامي على مشاريع ثانوية قد يعطي انطباعاً بأن المؤسسات الحكومية منشغلة بتحسين الصورة أكثر من انشغالها بمعالجة المشكلات الأساسية.
إن المواطن العراقي لا يرفض المبادرات الخدمية الصغيرة، لكنه ينتظر ما هو أكبر وأعمق أثراً، ينتظر مشاريع تنعكس على مستوى معيشته وفرص عمله وخدماته الأساسية، لأن تحسين الواقع اليومي للناس هو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به نجاحات الحكومات، وليس عدد المؤتمرات أو البيانات أو الحملات الدعائية المصاحبة لها.
ومن باب المحبة والحرص على نجاح المؤسسة التي يقودها، فإن الدعوة موجهة إلى السيد وزير الاتصالات مصطفى جبار سند بأن يركز جهوده واهتمامه على الملفات الأساسية التي تشغل المواطن العراقي، وأن يجعل الإنجازات الكبرى هي العنوان الأبرز لعمل الوزارة، فالجمهور اليوم يبحث عن نتائج ملموسة تغير واقعه، أكثر مما يبحث عن حملات إعلامية أو فعاليات دعائية قد تحظى باهتمام مؤقت، لكنها لا تعالج جوهر التحديات القائمة.
إن الإنجاز الحقيقي لا تصنعه البروباغندا الإعلامية، بل تصنعه المشاريع التي تترك أثراً دائماً في حياة الناس، وعندها سيكون المواطن نفسه أفضل من يروج للنجاح وأصدق من يتحدث عنه.
Post Views: 30