مقابرُ جماعيَّةٌ منسيَّة

0
864


د. عاصفة موسى

اثنى عشر عاما هو الفاصل الزمني بين أحداث آذار 1991، المتمثلة بالانتفاضة الشعبانيَّة وقمعها بوحشية من قبل سلطات البعث المقبور، وبين 16 أيار 2003، الذي تمَّ فيه العثور على أول مقبرة جماعية في محافظة بابل، أو بالأحرى كانتا مقبرتين جماعيتين في قضاء المحاويل، الذي يبعد 20 كم عن مدينة الحلة. المقبرة الأولى تقع في حقل زراعي، تضم رفات أكثر من ألفي شخص، من الرجال والنساء والاطفال، فيما تقع المقبرة الثانية خلف معمل طابوق المحاويل، تبعد عن المقبرة الأولى بنحو 5 كم، وتضم رفات مئات الأشخاص أيضا.

وبعد يومين عثر على مقابر جماعية أخرى في بابل، عدد منها قرب جامعة بابل على الطريق المؤدية إلى محافظة النجف الاشرف، وأخرى في قضاء الكفل والعشرات في مناطق أخرى من هذه المحافظة، التي وصفت بمدينة المقابر الجماعية، ثم أعلن العثور على مقابر جماعية في جميع محافظات الوسط والجنوب، وفي محافظتي ديالى وكركوك.

ضحايا المقابر الجماعية لم يكونوا من أبناء الانتفاضة الشعبانية فقط، بل الآلاف منهم مدنيون صادف وجودهم في الشارع وفي الأسواق.

كان العثور على أول مقبرة حدثا صادما للعراقيين، والعالم أجمع، كان العراق بعد سقوط النظام المباد، بيئة جاذبة لمختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية، وكان يتصدر نشرات الأخبار ومانشيتات كبريات الصحف، وازدهرت القصص الخبرية التي كشفت عن أسرار النظام، وحكايات عن كبار المطلوبين، يتصدرهم المقبور صدام حسين، الى جانب الكشف عن خفايا الأقبية والسجون المظلمة، والآلاف من الوثائق التي وضع اليد عليها في الأجهزة الأمنية والمخابرات، ووثائق حكومية، وأخرى تخص حقبة حزب البعث الذي حكم العراق بالسوط والحديد، وكانت المقابر الجماعية أحد أبرز شواهد جرائمه.

تصدرت عمليات حفر المقابر الجماعية الأخبار محليا وعالميا، وسببت هيجانا وغليانا شعبيا كبيرا، وكانت الفضائيات تنقل عمليات النبش العشوائي للمقابر، وتجمهر الأسر التي فقدت أبناءها منذ أحداث الانتفاضة الشعبانية، كانت تتعرف على أحبائها، من خرقة ملابس، ما زالت تحتفظ بلونها، أو هوية أو أي شيء يدل عليهم، فكل ما كان يظهر للناس المحتشدة، هياكل عظمية متلامسة مع بعض، ومصفوفة بجانب واحد، فقد تمَّ حفر حفرة كبيرة رموا بها الناس بعد إعدامهم جماعيا، حتى دون التأكد من وفاتهم، حيث دفن الآلاف منهم أحياء، في أكثر الجرائم وحشية، وأكبر الفظائع التي شهدها العراق الحديث.

والأشد إيلاما أن مئات الرفات لم يتم التعرف عليها، في الوقت الذي تباطأت فيه مؤسسة الشهداء في اتخاذ التدابير والاجراءات اللازمة في فتح باقي المقابر الجماعية، التي تضم مئات أو ربما آلاف الرفات، يرافقها قلة وعي في الجانب القانوني، من حيث تقديم الشكاوى من قبل أسر الضحايا، وفي تقديم عينات الفحص (DNA)، التي تساهم في عمليات المطابقة على المفقودين، الذين ربما تُوفِي آباؤهم وأمهاتهم، وتراجعت مطالبة الجهات المسؤولة بالتعرف على رفاتهم.

بعد أكثر من ثلاثة عقود على الجريمة، مازالت هناك مقابر جماعية، وآخرها في مدينة الحلة ايضا، التي عثر عليها قبل يومين، وتحديدا عند جدار مستشفى النسائية والأطفال في منطقة باب المشهد وسط الحلة، ويعتقد أنها تضم أكثر من 40 رفاتا، جرى اعدامهم خلال قمع الانتفاضة.

وقد تكون مصادفة أن تُكتشف أول مقبرة جماعية من ضحايا الانتفاضة الشعبانية في بابل، وآخر مقبرة في بابل ايضا، يفصل بينهما 21 عاما، لكنها بالتأكيد لن تكون الأخيرة.

هذه المقبرة ينبغي أن تكون فرصة لفضح النظام المجرم، وتفنيد محاولات المواقع والمنصات المشبوهة والمدعومة من بقايا البعث المهزوم، بتجميل صورة السلطة الآثمة.

الإعلان عن مقبرة جديدة ملطخة بأيادي البعث، بمثابة صرخة مدوية من أجل حث الجهات المعنية على العمل الجاد في الشروع بعمليات البحث والمطابقة لرفات الضحايا.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here