مجزرة سبايكر: الجرح المفتوح في الجسد العراقي

0
386


فاضل الحلو

في صيفٍ حارق من عام 2014، وقعت واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ العراق الحديث، مجزرة ستظل محفورة في الذاكرة الوطنية، تُعيد إلى الأذهان وجعاً لا يهدأ وصرخة لن تصمت ما دام في القلب نبض. إنها مجزرة سبايكر؛ الجرح المفتوح في الجسد العراقي، والمأساة التي روت بدماء الأبرياء أرض الوطن.

تاريخ لن يُنسى

في يوم 12 حزيران 2014، وبعد اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمحافظة نينوى وعدد من مناطق شمال العراق، اجتاح التنظيم أيضًا مدينة تكريت، حيث قاعدة سبايكر الجوية الواقعة شمال المدينة. هناك، احتجز الإرهابيون أكثر من 1700 طالب من طلاب القوة الجوية، غالبيتهم من المحافظات الجنوبية والوسطى، ممن كانوا يؤدون تدريبات عسكرية ضمن واجبهم الوطني.

وبدلاً من أن يُعاملوا كأسرى حرب أو محتجزين وفق القوانين الدولية، تم اقتيادهم إلى أماكن مختلفة، على شكل مجاميع، وقُتلوا بدمٍ بارد، رميًا بالرصاص، ودفنًا في مقابر جماعية على ضفاف نهر دجلة، وفي قصور صدام المهجورة، وفي أماكن لا تزال تُكتشف حتى يومنا هذا.

جريمة ضد الإنسانية

لم تكن مجزرة سبايكر مجرد عمل إرهابي عابر، بل كانت جريمة إبادة جماعية وفق كل المعايير القانونية والإنسانية. استُهدف فيها شباب عزّل، لا ذنب لهم سوى انتمائهم الطائفي أو مشاركتهم في المؤسسة العسكرية للدفاع عن وطنهم. أراد القتلة تمزيق وحدة العراق، وإشعال الفتنة، وزرع الرعب في نفوس أبناء الشعب.

لكن ما حدث بعد ذلك أثبت أن العراق لا يُكسر. فبدلاً من الانقسام، توحّد العراقيون على فاجعة سبايكر، وخرجت العوائل الثكلى تطالب بالعدالة، وتحوّلت المأساة إلى قضية وطنية تتبناها المؤسسات، والمنظمات، والرأي العام.

العدالة البطيئة… ولكن الحاضرة

رغم البطء، بدأت الدولة العراقية، بعد تحرير المناطق المغتصبة، بالكشف عن المقابر الجماعية، وجمع الأدلة، وتوثيق الشهادات. وتمكنت الأجهزة القضائية من محاكمة العديد من منفّذي المجزرة، وبعضهم نال جزاءه العادل بالإعدام أو السجن المؤبد.

كما عملت الجهات المختصة على التعرف على جثث الضحايا عبر تحليل الحمض النووي (DNA)، لتسليمها إلى ذويهم، في مشاهد وداع مؤلمة، لكنها تُعيد للضحايا جزءًا من كرامتهم، وتُطمئن أهاليهم بأن أبناءهم لم يُنسوا.

ذاكرة حية ومسؤولية وطنية

مجزرة سبايكر ليست صفحة تطوى، بل درس تاريخي وجرس إنذار دائم، يؤكد أن الحقد الطائفي، والتطرف، والخيانة، يمكن أن تتسبب بكوارث إنسانية إن تُركت دون مواجهة.

ولذا، من الواجب الوطني والأخلاقي:

  • تضمين مأساة سبايكر في المناهج الدراسية كجزء من تاريخ العراق المعاصر.

  • دعم عوائل الشهداء ماديًا ومعنويًا، باعتبارهم أبطالًا قضوا في خدمة الوطن.

  • توثيق الجرائم بالوسائل الفنية والإعلامية، لتبقى في الذاكرة الجمعية.

  • محاسبة كل من سهل أو شارك أو صمت عن هذه الجريمة.

الختام: الوفاء للدم… وللوطن

في ذكرى مجزرة سبايكر، لا نملك إلا أن نقرأ الفاتحة على أرواح الشهداء، وأن نُجدد العهد لهم: لن ننسى، ولن نسامح من قتل، وخان، وتآمر.

وستبقى سبايكر وصمة في جبين الإرهاب، ونقطة مضيئة في سجل تضحيات العراقيين، الذين واجهوا الموت بصدورٍ عارية، فكتبوا بدمهم أن العراق لا يموت.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here