في ذكرى فاجعة الدجيل

0
475

الدجيل… المدينة التي ذبحتها المقصلة ووأدها الصمت
أحلام رهك
في صيف تموز اللاهب من عام 1982، كانت مدينة الدجيل على موعد مع الفجيعة، حين تحوّلت بساتينها الخضراء، ومساجدها الهادئة، وبيوتها المملوءة بحكايات الطيبة، إلى ساحة للموت والخراب. ففي الثامن من تموز، تعرض المجرم صدام حسين لمحاولة اغتيال أثناء زيارته للمدينة، لتبدأ بعدها واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام البعثي بحق شعبه، جريمة لا تُقاس بلحظة الرصاص، بل بسنوات العذاب التي أعقبتها.
ردّة فعل النظام لم تكن موجهة ضد منفذي العملية فحسب، بل جاءت انتقاماً شاملاً وعشوائيًا من سكان الدجيل، وكأن المدينة بأكملها كانت متهمة، والرحم الذي أنجب أبناءها صار مستهدفًا. اعتُقل الآلاف، من دون تهمة، من دون دليل. كان يكفي أن تكون من الدجيل لتُصبح مذنبًا في نظر الطغيان.
في بيوت متواضعة، اقتحمت القوات القمعية حرمة المنازل، فجّرت الأبواب، واعتقلت الرجال وهم يصلّون، والنساء وهن يُرضعن أطفالهن، والفتية من مقاعد الدراسة، والصغار من أحضان أمهاتهم. لم تُفرّق اليد البعثية بين شيخ طاعن وطفل غضّ، ولا بين امرأة حامل وأخرى تُرضع.
أُخذوا جميعًا إلى المعتقلات. إلى الجدران الباردة، والزنازين المظلمة، والسياط التي لا تميّز بين منطق واتهام. هناك، حيث الموت بطيء وصامت، بدأت المأساة.
في أقبية السجون، تعرّض المعتقلون لأبشع أنواع التعذيب: الصعق بالكهرباء، نزع الأظافر، الكيّ بالنار، التعليق من الأذرع، وكأن الجسد العراقي قد صار حقل تجارب لساديةٍ لا تعرف الشبع. وكان للنساء نصيب وافر من الألم، إذ جرى تعذيبهن نفسيًا وجسديًا، حُرمن من الخصوصية والستر، وذُقن مرارة الانكسار في زمن لا يعرف الرحمة.
بعضهن دخلن المعتقل وهنّ حوامل، فأنجبن في الزنازين. لم تكن تلك الولادات احتفاءً بالحياة، بل لحظات ممزوجة بالدمع، حيث يُستقبل الوليد تحت أزيز الصراخ، وعلى وقع التعذيب، في أماكن لا تصلح لعيش إنسان، فكيف لطفل وُلِد إلى النكبة أن يتنفس الحياة؟
أما الأطفال، أولئك الذين حُشروا في الزنازين إلى جانب أمهاتهم، فقد كانوا يُتركون جوعى، حفاة، ينامون على الأرض، ويبكون حتى يغلبهم الإرهاق. لا طعام، لا حليب، لا ضوء. كانوا يتغذّون على صبر الأمهات، ويمتصّون من صدورهن أكثر من الحليب… يمتصّون القوة.
أربعة أعوام ظلّ المئات من أبناء الدجيل في المعتقلات أو في منفى أشد قسوة: صحراء السماوة، حيث لا ماء ولا طعام، حيث كانت الرمال تبتلع الأجساد الهزيلة، والشمس تلسع العظام، والليل شاهد على نحيب من لم يعد يملك إلا الدعاء.
أما الذين حُكموا بالإعدام، فقد ساقهم النظام واحدًا تلو الآخر إلى المشانق، في محاكم صورية يتلو فيها الجلاد عواد البندر الأحكام كمن يوزع الموت بدم بارد. 148 شهيدًا ارتقوا في تلك الأيام، وكم من روح أخرى لحقت بهم دون أن يُعلن اسمها.
الدجيل لم تكن مجرّد مدينة، بل كانت رمزًا، جرحًا مفتوحًا في ضمير الوطن، ووصمة عار على جبين الاستبداد. لقد حاول النظام أن يدفن الحقيقة مع أجساد الشهداء، وأن يُطفئ صرخة الأمهات مع غبار السماوة، لكنه لم ينجح. فما زالت الدجيل تصرخ في ذاكرة العراقيين: هنا، على هذه الأرض، سُفك الدم، وبُقرت كرامة الإنسان، وسُجنت البراءة، ووُلد الأمل وسط العتمة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here