الرئيسية مقالات من خيم الكاولية إلى مكاتب الفاشنستات: تحوّلات أدوات النفوذ في العراق

فاضل الحلو
شهد العراق عبر عقود تحوّلات عميقة في بنية السلطة وأدواتها غير الرسمية. فبينما كان النظام السابق يستند إلى مظاهر استعراضية واضحة، مثل الولائم الفخمة والحفلات الشعبية التي تُمجّد القائد وتُعزّز صورة السلطة عبر الطرب والمبالغة في البذخ، نجد اليوم أن المشهد تغيّر كلياً بعد عام 2003، ليتّجه إلى مسارات جديدة أكثر نعومة وأقل وضوحاً، لكنها أشد تأثيراً.
السلطة القديمة: لغة الولائم والخيام
في زمن صدام حسين، كان الطرب الشعبي و”خيم الكاولية” جزءاً من أدوات صناعة الولاء وترسيخ صورة الحاكم القوي. كان الهدف أن تُترجم مظاهر الفرح والاحتفال إلى طقوس ولاء سياسي، حيث يجتمع المسؤولون ورجال السلطة في أجواء تُخاطب غرائز القوة والهيمنة، وتُعيد إنتاج فكرة أن النظام مركز المتعة والقرار معاً.
السلطة الجديدة: لغة النفوذ الناعم
أما اليوم، فنشهد نموذجاً مغايراً كلياً. لم تعد الولائم والرقص الشعبي هي لغة السلطة، بل حلت مكانها مكاتب الفاشنستات والوجوه الإعلامية الملمّعة التي تجيد استخدام لغة العصر: الجمال، الشهرة، الإعلام الرقمي، والتأثير الناعم. يجلس المسؤول محاطاً بوجوه براقة، يظن أنه صاحب القرار، بينما الخيوط في كثير من الأحيان تُحرّك من خلف الكواليس.
الفاشنستات كقنوات نفوذ
تكشف الظاهرة عن قدرة بعض النساء على توظيف صورتهن العامة كـ”واجهة بريئة” لتمرير النفوذ، وتحويل الضعف الذكوري لدى بعض المسؤولين إلى أداة طاعة وانقياد. من خلال هذه المكاتب تُفتح أبواب السياسة والمال والأسرار دفعة واحدة، بحيث تصبح الشهرة على “إنستغرام” أو “تيك توك” وسيلة ضغط تتفوّق أحياناً على سلطة الحزب أو العشيرة.
قراءة في التحوّل
هذا الانتقال من أدوات السلطة التقليدية إلى الأدوات الناعمة يعكس طبيعة التغيّرات في المجتمع العراقي ما بعد 2003:
-
تفكك السلطة المركزية: مما سمح بتعدد قنوات النفوذ.
-
صعود الإعلام الرقمي: الذي منح الفاشنستات قوة جماهيرية غير مسبوقة.
-
تراجع القيم السياسية التقليدية: لصالح قيم المظهر والسطحيات، حيث تحولت “الوجاهة” إلى أداة قرار.
الخلاصة
إن مكاتب الفاشنستات ليست مجرد ظاهرة اجتماعية سطحية، بل تعبير عميق عن تحولات بنية النفوذ في العراق. ففي حين كان الماضي يستعرض سلطته عبر الولائم والاحتفالات الشعبية، بات الحاضر يختبئ وراء الوجوه الملمّعة ومكاتب التسويق الاجتماعي. وبين هذين الزمنين، ضاع الجوهر: غياب المؤسسات الراسخة، واستبدالها بأدوات نفوذ مؤقتة وسريعة الانهيار.
Post Views: 125