الرئيسية مقالات الإنسانية… حين تُصبح مرآةً تُخفي الزيف بدل أن تعكس الحقيقة

فاضل الحلو
في زمنٍ يزداد فيه التعقيد الاجتماعي والسياسي في العراق، تبدو كلمة “الإنسانية” كنجمةٍ مضيئة في سماءٍ ملبّدةٍ بالغيوم، شعاراً يرفعه المثقفون والقادة على حدٍّ سواء، وكأنها المنقذ الأخير من فوضى الانتماءات والولاءات الضيقة، فهي تُقدَّم كمرجعيةٍ أخلاقيةٍ عليا، قادرةٍ على توحيد البشر، وتجاوز الانقسامات الدينية والعرقية والثقافية التي أنهكت جسد الوطن.
لكن حين نقترب من الواقع، نكتشف أن هذه النجمة التي تُبهر الأبصار سرعان ما تخفت عند أول اختبارٍ حقيقي، وأن الإنسانية التي نتغنّى بها في الخطاب، غالباً ما تكون وهماً يلوّح لنا فقط ليُسكِت ضمائرنا المنهكة.
في العراق، كثيراً ما نسمع عن إنسانيةٍ تُرفع شعاراً في المؤتمرات، وتُكتب على لافتات المساعدات، لكنها لا تُترجم في سلوكٍ أو قرار، نرى مَن يتحدث باسمها، وهو في الوقت نفسه يُقصي المختلف عنه، أو يُبرر الظلم ما دام يخدم مصلحته أو جماعته. نسمعها تتردّد في الإعلام والمنتديات الثقافية، لكنها تختفي عند أول موقف يتطلب تضحية أو إنصافاً.
وهكذا، تصبح “الإنسانية” أداة تجميلٍ للخطاب، أكثر منها منهجاً للسلوك.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في غياب الإنسانية كشعور، بل في عجزنا عن تحويلها إلى سلوكٍ مؤسساتي وثقافةٍ اجتماعية. فحين تُختزل الإنسانية في المواقف العاطفية، تُصبح هشّة، لا تصمد أمام ضغط المصالح والطائفية والسلطة، لذلك نجد أن الممارسات اللاإنسانية – من الفساد إلى الإقصاء والتمييز – باتت جزءاً من الحياة اليومية، رغم أننا نعيش وسط خطاباتٍ أخلاقيةٍ تفيض بالرحمة والعدالة والكرامة.
الإنسانية الحقيقية لا تُقاس بما نقوله، بل بما نفعله حين لا يرانا أحد. إنها لا تُختبر في لحظات الراحة، بل في أوقات الأزمة، حين نمدّ يدنا للآخر المختلف، لا لأننا نحتاجه، بل لأننا نحترم وجوده. حين نرفض أن نصمت أمام الظلم، حتى لو لم يمسّنا مباشرة.
ولعلّ ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الخطب عن “الإنسانية”، بل نظاماً تربوياً وثقافياً يُعيد بناء الإنسان من الداخل، يعلمه أن الإنسانية ليست شعاراً، بل مسؤولية.
أن الرحمة ليست ضعفاً، بل شجاعة. وأن العدالة لا تتحقق إلا حين نكفّ عن النظر إلى الناس من خلال هوياتهم الضيقة، ونراهم كما هم: بشرٌ يخطئون ويصيبون، لكنهم يستحقون الكرامة.
في النهاية، يمكننا القول إن الإنسانية في العراق ليست مفقودة، لكنها مخنوقة بين الشعارات والسياسة، تنتظر من يعيدها إلى معناها الأول: أن يكون الإنسان هو القيمة الأعلى، لا الحزب ولا الطائفة ولا المصالح.
فحين نعيد للإنسان مكانته، فقط حينها، يمكن لتلك النجمة أن تضيء من جديد، لا في السماء، بل في قلوبنا وسلوكنا.
Post Views: 217