فوضى الإعلانات الانتخابية… تشويه للعراق قبل أن يكون دعاية للمرشحين

0
229


فاضل الحلو

هل يُعقل أن دولةً عريقة كالعراق، بتاريخها الحضاري، لا تمتلك مستشارًا واحدًا يفقه أبجديات تنظيم الحملات الانتخابية؟ وهل يُعقل أن تُترك المدن، من بغداد إلى أصغر محافظة، فريسةً لفوضى الصور واللافتات واليافطات التي علّقت كيفما اتفق، لتشوه الحدائق العامة والجزر الوسطية والجدران وحتى أعمدة الإنارة؟

إن ما يجري اليوم لا يمكن وصفه إلا بـ”الفوضى البصرية”، بل هو انعكاس مباشر لفوضى سياسية وثقافية تعيشها البلاد منذ سنوات. فبدل أن تكون الحملات الانتخابية مهرجانًا حضاريًا للتعبير عن التنافس الديمقراطي، تحوّلت إلى سباق محموم لتغطية أكبر قدر ممكن من المساحات العامة بلا ذوق، وبلا احترام للمكان أو المواطن.

المرشّح الذي يعلّق صورته على شجرة أو عمود إنارة أو سور مدرسة، أي رسالة يريد إيصالها للناس؟ هل يعتقد أن صورة ضخمة كفيلة بإقناع الناخبين بقدرته على الإدارة أو الإصلاح؟ إن من لا يحترم جمالية المدينة، ولا يلتزم بقوانين النشر، ولا يراعي الذوق العام، يبعث منذ الآن برسالة سلبية مفادها: سأعبث كما أريد متى ما حصلت على السلطة.

الانتخابات في جوهرها ممارسة ديمقراطية راقية، لا تتعلق فقط بالصناديق والأصوات، بل أيضاً بالثقافة التي ترافقها. الدول التي تحترم نفسها تحدد بدقة أماكن الإعلانات الانتخابية، وتفرض غرامات على كل من يخالف، لأن المشهد العام للمدينة هو مرآة لوعي الدولة، وليس مساحة فوضوية لكل من يريد أن يملأها بصورته.

في العراق، تتكرر هذه الظاهرة مع كل دورة انتخابية، وكأننا لم نتعلم شيئًا. فتتحول الشوارع إلى متاحف مؤقتة لصور المرشحين، بعضها يتكدس فوق بعض، وبعضها الآخر يغطّي إشارات المرور أو يخفي لوحات الدلالة، في مشهدٍ يُشبه احتلالًا بصريًا أكثر مما يشبه حملة انتخابية.

المشكلة لا تتعلق فقط بالمرشحين، بل بضعف الإدارة المحلية وغياب التنظيم الحكومي. فأين دور البلديات؟ وأين هيئة الإعلام والاتصال؟ وأين المفوضية العليا المستقلة للانتخابات؟ من غير المنطقي أن تترك المدن بلا ضوابط، وأن يُسمح بتحويل الحدائق والجزرات إلى مساحات تشويهٍ جماعي، في بلدٍ يحاول منذ سنوات استعادة ملامحه بعد موجات الدمار.

الأمر الأخطر أن هذه الفوضى ليست مجرد تجاوز بصري، بل هي انعكاس لثقافة السلطة قبل أن تبدأ؛ ثقافة التعدي على النظام العام والاستهانة بالقانون. وإذا كانت هذه بدايات بعض المرشحين، فكيف سيكون أداؤهم عندما يصبحون داخل مؤسسات الدولة؟

إن العراق، الذي أنجب أوائل المدن وأجمل الحضارات، يستحق مشهدًا انتخابيًا يليق به، لا فوضى تشوّه شوارعه وتستهين بعقله الجمعي. نحن بحاجة إلى ميثاق وطني لتنظيم الحملات الانتخابية، يُلزم الجميع باحترام الفضاء العام، ويحوّل المنافسة إلى ساحة وعي لا إلى ساحة صور.

فالصورة لا تصنع قائداً، واليافطة لا تخلق برنامجاً، والمرشح الحقيقي هو من يزرع أثره في العقول لا على الجدران.
إننا نحتاج إلى عودة الوعي، إلى دولة تُربي أبناءها على النظام، وإلى مستشارين يُدركون أن الجمال والنظام جزء من هوية الوطن، لا زينة مؤقتة لموسم الانتخابات.

العراق أجمل من أن يُغرقه المرشحون بصورهم… وأعظم من أن تُشوّه ملامحه بفوضى لا تليق بشعبٍ كتب أول قانونٍ في التاريخ.

إن المشهد الحالي يتطلب تدخلاً حازماً من الحكومة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، عبر إصدار تعليمات صارمة تنظم عملية نشر الإعلانات الانتخابية وتحدد مواقعها بدقة، مع فرض غرامات على كل من يخالف،فحماية جمالية المدن ليست ترفًا بصريًا، بل مسؤولية وطنية تُعبّر عن احترامنا لأنفسنا قبل أن تعبّر عن احترامنا للوطن.

لقد آن الأوان أن نرتقي بسلوكنا الانتخابي إلى مستوى وعي شعبٍ قدّم الشهداء من أجل ديمقراطيته، لا أن نختزلها في فوضى صورٍ تُعلّق وتُنسى بعد انتهاء الانتخابات.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here