
فاضل الحلو
يولد الإنسان في بيئةٍ تصوغه قبل أن يعي نفسه، فيتشرّب منذ لحظاته الأولى لهجاتها، وأفكارها، وأحكامها المسبقة.
تُغرس في داخله منظومة من “الحقائق” التي لا تقبل النقاش، ويُلقَّن أن السلامة في الاتّباع، لا في التساؤل.
وهكذا، قبل أن يتكوّن وعيه المستقل، تكون البيئة قد فرغت من رسم حدود عالمه، وحددت له مسار الفكر والسلوك.
التقاليد، مهما بدت راسخة، ليست دائماً نابعة من الحكمة، بل كثيراً ما تكون بقايا خوفٍ جمعيّ أو تجربةٍ تاريخيةٍ تحوّلت إلى “عرف” لا يُمسّ، ومع مرور الزمن، يفقد الناس القدرة على التمييز بين ما هو نافع للحاضر وما هو ظلّ من الماضي، فيتعلّقون بالمألوف كأنه طوق نجاة، مع أنه في كثيرٍ من الأحيان قيدٌ يمنعهم من التقدّم.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس القمع الخارجي، بل القبول الداخلي. فحين يعتاد العقل على السكون، ويستبدل السؤال بالتكرار، يتحوّل القيد إلى جزءٍ من الوعي، عندها لا يحتاج الاستبداد إلى سوطٍ أو سلطة، لأن الناس أنفسهم يصبحون حرّاساً على حدودهم الفكرية، يخافون التغيير ويُعادون المختلف.
الاعتياد على القيد يولّد نوعاً من الطمأنينة الكاذبة، إذ يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء والأمان، لكنه في الوقت نفسه يسلبه جوهر الحرية، فالمجتمع الذي يكره الأسئلة لا يربي أفراداً أحراراً، بل يُنتج أجيالاً تكرر ذاتها وتخاف من ذاتها. ومن لا يجرؤ على الاختلاف، لن يبتكر، ولن يضيف جديداً إلى العالم.
التحرر لا يعني التمرّد الأعمى على كل ما هو موروث، بل يعني إعادة النظر الواعية في كل ما نمارسه ونؤمن به.
فالموروث حين يُفهم ويُختار عن وعي، يتحوّل من قيدٍ إلى جذر، ومن سجنٍ إلى هويةٍ حية تتطور مع الزمن. أما حين يُتّبع بلا تفكير، فإنه يحوّل الإنسان إلى نسخةٍ باهتة من آبائه، عاجزة عن أن تكتب سطرها الخاص في كتاب الحياة.
ولعل أخطر ما في اعتياد القيد أنه يُخمد في الإنسان رغبة الاكتشاف. فحين يقتنع بأن ما يملكه هو كل ما يمكن أن يُملك، يفقد فضوله، ويذبل عقله، والحضارات، عبر التاريخ، لم تنهض إلا حين تجرّأت على تجاوز أسوارها الفكرية، وحطّمت الأصنام التي بنتها العادة والخوف باسم الثبات.
إن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع من داخل النفس أولاً. تبدأ حين يواجه الإنسان مرآته بصدق، ويسأل نفسه: هل ما أؤمن به هو اختياري أم اختيار غيري؟ هل أعيش كما أريد، أم كما يريد المجتمع منّي؟ تلك الأسئلة وحدها هي مفاتيح الوعي، وهي التي تُعيد للإنسان قدرته على أن يكون ذاته لا ما فُرض عليه أن يكونه.
في النهاية، ليست القضية في أن نكسر القيد، بل في أن نُدرك أنه موجود. فالكثيرون يعيشون خلف الجدران وهم لا يشعرون بها، وما إن يكتشف الإنسان أن حريته الحقيقية تبدأ من داخله، حتى تتهاوى كل الأسوار التي بناها الخوف والاعتياد، ليبدأ رحلة الوعي نحو ذاته، حيث لا سلطان إلا للعقل، ولا قيود إلا تلك التي يختارها بإرادته الحرة.
Post Views: 114