الأقنعة التي لا تسقط: الإنسان حين يتحول إلى دورٍ مسرحي دائم

0
230


فاضل الحلو

في عالمٍ تتزايد فيه الضوضاء وتختلط فيه المظاهر بالحقائق، يظهر أولئك الذين يسيرون بيننا وكأنهم على خشبة مسرحٍ لا تُطفأ أضواؤه أبدًا، يعيشون أدوارًا متبدلة حسب الموقف والزمان والمصلحة، يتقنون فنّ التمثيل إلى حدٍّ يوشك معه المتفرج أن يصدقهم، وهم أنفسهم قد صدّقوا الكذبة التي صنعوها لأنفسهم، وجوههم مصقولة بابتساماتٍ مدروسة، وحديثهم منمّقٌ ومُهيأ مسبقًا، بينما في دواخلهم فراغٌ لا صدى فيه سوى لصوت الخوف من انكشاف الحقيقة.

إن هؤلاء ليسوا مجرد كاذبين عابرين، بل نتاجُ زمنٍ مريضٍ بالسطحيات، حيث تُقاس القيمة بالمظاهر، وتُختزل الشخصية في الانطباع الأول. يعيشون على تصفيق الآخرين، ويتنفسون من فم الإعجاب، فإن انقطع التصفيق خمدوا كشمعةٍ في رياح الصمت، هم أسرى فكرة التجمّل الدائم، يضعون الأقنعة لأنهم يخافون رؤية وجوههم الحقيقية، ويزيفون مشاعرهم لأنهم لم يتعلموا كيف يشعرون بصدق.

ما يجعلك تتأمل في حالهم ليس خداعهم للآخرين فحسب، بل قدرتهم العجيبة على خداع أنفسهم. يخلق الواحد منهم سرديته الخاصة، يختار لنفسه بطولة زائفة، يقتنع أنه ناجحٌ ومحبوبٌ ومتفوق، حتى لو كان يعيش على فتات الاعتراف من الآخرين، تراهم في الاجتماعات يزاحمون بالكلمات لا بالفكر، وفي العلاقات يتصدرون المشهد بالكلام المعسول لا بالمواقف الصادقة. وفي النهاية، حين تُسدل الستارة، يعودون إلى وحدتهم، يواجهون المرآة بارتباكٍ لا يُحتمل، لأن الوجوه لا تشبه الأقنعة.

ولعلّ أخطر ما في الأمر أن هؤلاء لا يرون أنفسهم مرضى، بل يرون الآخرين بسطاء وساذجين لأنهم يعيشون بوجوههم الحقيقية. إنهم ضحايا وهمٍ طويل، يخلط الغطرسة بالضعف، والاستعراض بالخوف، والسطح بالعمق المفقود، يعيشون في معركة دائمة مع ذواتهم، وكلما ارتدوا قناعًا جديدًا فقدوا قطعة أخرى من حقيقتهم القديمة.

المجتمع الذي يُشجع هذا النمط من الوجود، هو مجتمعٌ يقتل الصدق بالتدريج. حين يُكافأ الممثل أكثر من الصادق، ويُحتفى بالمتلون أكثر من الثابت، نتحول جميعًا إلى نسخٍ من هذا المسخ النفسي. نضحك كي لا نُتهم بالعبوس، نُجامل كي لا نُوصف بالحدة، نُخفي الحزن كي لا نُقال ضعفاء، وهكذا شيئًا فشيئًا نُسهم في صناعة القناع الجماعي الكبير.

الحياة ليست عرضًا مسرحيًا دائمًا، ولا البطولة تُقاس بعدد المتفرجين، البطولة الحقيقية هي أن تجرؤ على أن تكون نفسك، بلا أقنعة، بلا تمويه، بلا خوف من الانكشاف. أن تمشي في النور بوجهك الحقيقي، لا بظلٍّ صنعته من الوهم.

فمن لا يملك الشجاعة ليكون ذاته، سيقضي عمره ممثلًا في رواية لم يكتبها هو، ولن يصفّق له أحد حين تنتهي الفصول.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here