
فاضل الحلو
صارت الغانية سيّدة أولى في العراق، والعفّة تقف في آخر الطابور، تنتظر دورًا لن يأتي.
هذه ليست مبالغة أدبية بقدر ما هي مرآة لواقعٍ مُلتَبِس، اختلطت فيه المعايير حتى صار الانحراف واجهة، والاستقامة هامشًا خافتًا.
في زمن ما، كُنّا نُصدّق أن ابن الفقير يعرف قيمة الناس لأنه خرج من بينهم، وتحمّل ما تحمّلوه، وتذوّق المرّ الذي تذوّقوه. اليوم، يبدو أن بعضهم ما إن يصعد سلّم المنصب حتى يتفرعن، كأن فقر الأمس كان مجرّد تمرين على القسوة لا على العدالة، أما ابن الغني الذي قيل لنا إنه “شبعان” ولن يطمع، فقد تركوه جانبًا رغم أن الشبع وحده لا يصنع إنسانًا نزيهًا، ولا يمنع آخر من الانحدار.
السؤال الذي يطارد العراقي اليوم: ما سرّ كرسي السلطة؟
ما الذي يجعل الإنسان، أيًّا كان أصله وثقافته، يتبدّل فور أن تلتصق به شرائط المنصب؟
كأن المقعد مصنوع من مادّة سحرية: من يجلس عليه يُغسل من كل ذنب، ويُعامل كأنه معصوم، ويُبشَّر بجنّة سياسية فيها هواء نقي وبحيرة أسماك ملوّنة… بينما خلف أسوار هذا القصر، دخانٌ كثيف، وسموم تعوم في الهواء، وفقر يلتهم ما تبقّى من أمل الناس.
المشكلة ليست في الشخص فقط، بل في المنظومة: منظومة تصنع الفرد ثم تبتلعه، تدفعه إلى أن يرى الناس من خلف زجاجٍ مظلل، وتجعل عينيه تعتادان العتمة حتى ينسى الضوء الذي جاء منه.
إنّ من يجلس على الكرسي في العراق لا يُحاسَب، وإذا حوسب تأخّر الحساب حتى يفقد كل معنى، وحين يغيب الحساب، تتقدّم الغانية، وتتراجع العفّة، ويصير الصوت النزيه نشازًا وسط جوقة المصفّقين والمستفيدين.
لكن… رغم كل هذا، لا يزال في الشارع العراقي من يعاند اليأس.
لا تزال هناك أفواه ترفض السكوت، وأيدٍ ترفض الرضوخ، وعيون لا تزال مفتوحة على الحقيقة مهما كان ثمن رؤيتها.
قد يصبح الفساد سيّد المشهد يومًا، لكنّه لن يصبح قدرًا نهائيًا لهذا الوطن.
لأن الكراسي، مهما علت، تبقى خشبًا… أما الناس، فهم الأرض، والأرض حين تغضب… تغيّر مصير الجالسين فوقها.
Post Views: 139