حين يطلّ يوم النصر العظيم على العراق

0
289


فاضل الحلو

حين يطلّ يوم النصر العظيم على العراق، تستعاد في الذاكرة تلك السنوات الثقيلة التي وقفت فيها البلاد أمام امتحان وجودي حقيقي، امتحان لم يختبر قدرات الجيش والقوى الأمنية فحسب، بل اختبر روح العراقيين جميعًا، وصلابتهم، وقدرتهم على تجاوز المحن حين يتحول الخطر إلى قدر مشترك لا مهرب منه.

لم تكن معركة العراق ضد تنظيم داعش مجرد صراع عسكري عابر، بل كانت معركة هوية ووجود. كانت ساحة الامتحان التي أعادت صياغة مفهوم البطولة، وأعادت تعريف التضحية بوصفها فعلًا يوميًا يقوم به الجندي، والمقاتل، والشرطي، والموظف، والأم، والطالب، وكل من حمل الوطن في قلبه.

لقد أصبح كل عراقي جزءًا من قصة النصر: من حمل السلاح في الميدان، ومن وقف خلفه يقدم الدعم، ومن تضرعت يداه بالدعاء، ومن بقي صامدًا في مدينته رغم القصف والنزوح والخوف، لم يكن هناك دور صغير، ولم تكن هناك مساهمة بلا قيمة؛ فالجميع كانوا خيطًا في نسيج الانتصار.

وبرغم ما حاولته فئات وأصوات لزرع الفتنة أو تشويه الحقائق، إلا أنّ الواقع أثبت أن الطائفية والانقسامات لم يكن لها مكان حين نطقت المعركة باسم العراق. فقد ذاب الجميع في هوية واحدة، واختفى لون الطائفة أمام لون العلم، وتلاشت الهويات الفرعية أمام هوية الوطن التي انتصرت في النهاية.

الكردي قاتل إلى جانب العربي، والتركماني وقف مع السني والشيعي، والمسيحي والإيزيدي والصابئي أصبحوا جزءًا من حكاية صمود واحدة. لقد كان هذا الاصطفاف ممّا أعاد للعراق صورته التي حاول الإرهاب طمسها: بلد التعدد، والعيش المشترك، والهوية الجامعة.

إن يوم النصر على داعش ليس ذكرى عسكرية فحسب، بل محطة وعي جماعي يجب أن تستمر. فهو يذكّر العراقيين بأن وحدتهم هي سر قوتهم، وأن العدو الحقيقي هو كل ما يهدد هذه الوحدة، سواء جاء على شكل سلاح، أو فكر متطرف، أو خطاب كراهية. ويذكّرهم أيضًا بأن دماء الشهداء، وتضحيات الجرحى، وصمود العائلات التي دفعت أثمانًا باهظة، هي أمانة يجب أن تُحفظ من التلاعب والنسيان.

وحين يُستحضر ذلك اليوم العظيم، فإننا لا نستعيد انتصارًا عسكريًا وحسب، بل نستعيد قيمة الإنسان العراقي حين يتجاوز نفسه، ويواجه الخطر بعينين مفتوحتين، ويثبت للعالم أن العراق، مهما اشتدت عليه الجراح، قادر على النهوض من جديد.

هكذا سيظل يوم النصر شاهدًا على أمة لم تنكسر، وشعب لم يتراجع، ووطن كتب ملامح خلاصه بأيدي أبنائه.

وستبقى قصته درسًا للأجيال القادمة: أن العراق ينتصر حين يتحد، وأن النصر الحقيقي يبدأ عندما تتقدس الأرض بمحبة أبنائها لها، لا بخوفهم عليها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here