الرئيسية مقالات الحروب الحديثة: معارك العقول لا معارك الخنادق – قراءة في المشهد العراقي

فاضل الحلو
لم تعد الحروب كما عرفت سابقاً؛ مدافع تصم الآذان، وبنادق تنثر الرصاص، وخنادق تُحفر في الأرض، لقد غدت الحروب أكثر دهاءً وهدوءاً، إذ باتت تُدار في العقول قبل أن تُدار في الساحات، فالقوة لم تعد محصورة في السلاح، بل في القدرة على التحكم بالوعي، تشكيل الرأي العام، وإعادة صياغة القيم والمفاهيم.
الحرب الناعمة: المفهوم وأدواته
ما يُعرف بـ”الحرب الناعمة” أو “حروب الجيل الرابع والخامس” لم تعد مجرد مصطلحات نظرية.
إنها استراتيجيات معقدة تقوم على:
-
الإعلام الموجّه
-
التضليل المعلوماتي
-
الحرب السيبرانية
-
توظيف الاقتصاد كسلاح ضغط
-
بث الانقسامات المجتمعية عبر خطاب الهوية والطائفية
هذه الأدوات تجعل من الجبهة الداخلية هي الساحة الحقيقية للصراع، حيث يصبح المواطن هدفاً، ووعيه غاية.
المشهد العراقي: ساحة نموذجية للصراع غير التقليدي
العراق، بما يحمله من تعقيدات سياسية، اقتصادية، وأمنية، يُعد بيئة خصبة لتجليات هذا النوع من الحروب.
-
الإعلام والمنصات الرقمية: شبكات التواصل الاجتماعي تحولت إلى ميدان تنافس بين أطراف محلية وخارجية، تُضخ من خلالها رسائل متناقضة تُضعف الثقة بالدولة وتُعزز الانقسام.
-
الاقتصاد كسلاح: الأزمات الاقتصادية، من سعر الدينار إلى أزمة الطاقة والبطالة، غالباً ما يُستغل تضخيمها إعلامياً لتغذية الغضب الشعبي وتوجيهه نحو أهداف معينة.
-
الهوية والانتماء: الخطاب الطائفي والعرقي ما يزال أداة فعّالة لجر الشارع نحو الاستقطاب، وهو ما يجعل استقرار الدولة هشاً أمام أي تحريك خارجي أو داخلي.
-
الحرب السيبرانية: اختراق مواقع حكومية أو تسريب بيانات حساسة بات وسيلة لإضعاف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
الرهان على الوعي
في ظل هذا المشهد، يتضح أن المعركة الأساسية في العراق ليست معركة السلاح، بل معركة الوعي، فكلما كان المواطن العراقي محصناً بالوعي السياسي والاجتماعي، كان أقل عرضة للتضليل وأكثر قدرة على التمييز بين الخبر الموجّه والواقع.
خاتمة
الحروب لم تعد أصوات مدافع تُسمع، بل رسائل إلكترونية تُبث، وصور تُتداول، وخطابات تُصاغ بعناية لتُحدث أثرها في النفوس.
والساحة العراقية بتنوعها وتناقضاتها تعكس بوضوح هذا التحول في طبيعة الصراعات، ومن هنا فإن بناء جبهة داخلية واعية وموحدة بات السلاح الأهم في مواجهة الحروب الجديدة، حرب تُخاض في العقول لا في الميادين.
Post Views: 273