
فاضل الحلو
يبدو أن الخطاب الطائفي في العراق، رغم مرور أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق وتأسيس النظام الديمقراطي، لا يزال يجد من ينعشه كلما هدأت النفوس وبدأت بوادر الوعي الوطني بالتشكل.
فأن يخرج أحد من يُسمّون أنفسهم “زعماء سياسيين” ليصف الآخرين وفق انتماءاتهم المذهبية، هو أمر لا يمكن اعتباره زلّة لسان، بل هو مؤشر خطير على عقلية ما زالت تعيش في زمن التقسيم والتصنيف، لا في زمن الدولة والمؤسسات والمواطنة.
ما قاله أحد السياسيين من عبارات مثل “زلمة، سني الهوى، وسني الهوية“ ليس مجرد رأي شخصي، بل هو خطاب علني موجّه للجمهور، يحمل في طياته دعوةً صريحة إلى إعادة إنتاج الكراهية والانقسام، في وقتٍ يتطلع فيه الشعب إلى الوحدة والبناء.
إن هذا الخطاب الطائفي لا يستفز فئة معينة فقط، بل يهدد السلم الاجتماعي برمّته، ويقوّض الجهود الوطنية التي بُذلت لتجاوز إرث الدم والانقسام الذي خلّفته سنوات الاحتراب الطائفي.
مسؤولية القضاء والمؤسسات الإعلامية
يُفترض بالقضاء العراقي وهيئة الإعلام والاتصالات أن تقفا موقفاً حازماً من هذا النوع من التصريحات، لأنها تخالف صراحةً الدستور العراقي الذي يحظر التحريض على الكراهية والعنف الطائفي، كما تتعارض مع القوانين التي تجرّم الخطاب الذي يثير الفتنة بين المواطنين.
فالصمت الرسمي على مثل هذه التصريحات يعطي انطباعاً بالتساهل، وربما يُفسَّر لدى العامة على أنه قبول أو تبرير، وهو ما يشكل خطراً مضاعفاً على الأمن المجتمعي.
إحياء الطائفية… أم استثمارها؟
من المؤسف أن بعض الزعامات السياسية ما زالت ترى في الخطاب الطائفي وسيلة لحشد التأييد، لا سيما مع اقتراب المواسم الانتخابية أو عند ضعف الحضور الشعبي لها.
لكنّ هذا الاستثمار الرخيص في الانقسام الطائفي لم يعد يُقنع الشارع العراقي، الذي بات يدرك أن مشكلته الحقيقية ليست في هويته الدينية أو المذهبية، بل في الفساد وسوء الإدارة والتقصير في الخدمات.
الخطر المقابل: ردّ الفعل الطائفي
حين يُسمع خطاب متشنج من هذا النوع من جهة، فإن من الطبيعي أن تتولد ردود فعل مقابلة من الجهة الأخرى، وهذا ما يعيدنا إلى دائرة مغلقة من الاتهامات والتجييش.
لذا، فإن مسؤولية القادة السياسيين أن يكونوا صمّام أمان، لا مصدر تأزيم. فكيف يمكن إقناع المتطرفين من الطرف الآخر بضبط النفس، في حين يتحدث بعض القادة بلغة تقسيمية تستفز الجميع؟
الخاتمة
لقد دفن العراقيون الطائفية بدماء أبنائهم وتضحياتهم، وتجاوزوها نحو مشروع دولة مدنية يسودها العدل والمواطنة. ومن العيب، بل من الخطر، أن يعود بعض من يتصدرون المشهد السياسي لنبش هذا القبر.
على الطبقة السياسية أن تدرك أن زمن المتاجرة بالطائفة قد انتهى، وأن العراق اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جامع يتحدث عن الكرامة، والعدالة، والعيش الكريم لا عن الهوية المذهبية والانتماء الفئوي.
فالوطن لا يُبنى بالهويات الفرعية، بل بالانتماء إلى العراق أولاً وآخراً.
Post Views: 253